فصل: تفسير الآيات رقم (18- 20)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الثعالبي المسمى بـ «الجواهر الحسان في تفسير القرآن» ***


سورة الزخرف

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 4‏]‏

‏{‏حم ‏(‏1‏)‏ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ‏(‏2‏)‏ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ‏(‏3‏)‏ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ‏(‏4‏)‏‏}‏

‏{‏حم* والكتاب المبين‏}‏ ‏{‏والكتاب‏}‏‏:‏ خُفِضَ بواو القَسَمِ، والضمير في ‏{‏جعلناه‏}‏ عائدٌ على الكتابِ، و‏{‏إِنَّهُ‏}‏ عطف على ‏{‏جعلناه‏}‏، وهذا الإخبارُ الثَّانِي وَاقِعٌ أيضاً تحْتَ القَسَمِ، و‏{‏أُمِّ الكتاب‏}‏‏:‏ اللوح المحفوظ، وهذا فيه تشريفٌ للقرآن، وترفيع، واخْتَلَفَ المُتَأَوِّلُون‏:‏ كيف هو في أُمِّ الكتاب‏؟‏ فقال قتادة وغيره‏:‏ القرآن بأجمعه فيه منسوخ، ومنه كان جبريل ينزل، وهنالك هو عَلِيٌّ حكيم، وقال جمهور الناس‏:‏ إنَّما في اللوح المحفوظ ذِكْرُهُ ودرجته ومكانته من العُلُوِّ والحكمة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏5- 8‏]‏

‏{‏أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ ‏(‏5‏)‏ وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ ‏(‏6‏)‏ وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ‏(‏7‏)‏ فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ ‏(‏8‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَفَنَضْرِبُ‏}‏ بمعنى‏:‏ أفنترك؛ تقول العرب‏:‏ أَضْرَبْتُ عن كذا وضَرَبْتُ‏:‏ إذا أَعْرَضْتَ عنه وتركْتَهُ، و‏{‏الذكر‏}‏ هو‏:‏ الدعاء إلى اللَّه، والتذكير بعذابِه، والتخويف من عقابه، وقال أبو صالح‏:‏ الذِّكْرُ هنا أراد به العذاب نفسه، وقال الضَّحَّاكُ ومجاهد‏:‏ الذكر القرآن‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏صَفْحاً‏}‏‏:‏ يحتمل أَنْ يكون بمعنى العفو والغفر للذنوب، فكأَنَّهُ يقول‏:‏ أفنترك تذكيركم وتخويفكم عفواً عنكم، وغفراً لإجرامكم؛ من أجل أنْ كنتم قوماً مسرفين، أي‏:‏ هذا لا يصلح؛ وهذا قول ابن عباس ومجاهد ويحتمل قوله‏:‏ ‏{‏صَفْحاً‏}‏ أنْ يكون بمعنى مغفولاً عنه، أي‏:‏ نتركه يَمُرُّ لا تؤخذون بقبوله ولا بتدبُّره، فكأَنَّ المعنى‏:‏ أفنترككم سُدًى، وهذا هو منحى قتادةَ وغيره، وقرأ نافع وحمزة والكسائي‏:‏ «إنْ كُنْتُمْ» بكسر الهمزة، وهو جزاءً دَلَّ ما تقدَّمه على جوابه، وقرأ الباقون بفتحها بمعنى‏:‏ من أجل أَنْ، والإسراف في الآية هو كُفْرُهُمْ‏.‏

‏{‏وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِى الأولين‏}‏ أي‏:‏ في الأُمَمِ الماضية، كقوم نوحٍ وعادٍ وثمودَ وغيرهم‏.‏

‏{‏وَمَا يَأْتِيهِم مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ‏}‏ أي‏:‏ كما يستهزئ قومك بك، وهذه الآية تسلية للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وتهديد بأَنْ يصيبَ قريشاً ما أصاب مَنْ هو أَشَدُّ بَطْشاً منهم‏.‏

‏{‏ومضى مَثَلُ الأولين‏}‏ أي‏:‏ سلف أمرهم وسُنَّتُهُم، وصاروا عبرةً غَابِرَ الدَّهْرِ، أنشد صاحبُ «عنوان الدِّرَايَةِ»لشيخه أبي عبد اللَّه التَّمِيميِّ‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

يَا وَيْحَ مَنْ غَرَّهُ دَهْرٌ فَسُرَّ بِهِ *** لَمْ يَخْلُصِ الصَّفْوُ إلاَّ شِيبَ بِالْكَدَرِ

هُوَ الْحِمَامُ فَلاَ تُبْعِد زِيَارَتَه *** وَلاَ تَقُلْ لَيْتَنِي مِنْهُ على حَذَرِ

انْظُرْ لِمَنْ بَادَ تَنْظُرْ آيَةً عَجَباً *** وَعِبْرَةً لأولي الأَلْبَابِ وَالْعِبَرِ

أَيْنَ الألى جَنَبُوا خَيْلاً مُسَوَّمَةً *** وَشَيَّدُوا إرَماً خَوْفاً مِنَ الْقَدَرِ

لَمْ تُغْنِهِمْ خَيْلُهُمْ يَوْماً وَإنْ كَثُرَتْ *** وَلَمْ تُفِدْ إِرَمٌ لِلْحَادِثِ النُّكُرِ

بَادُوا فَعَادُوا حَدِيثاً إنَّ ذَا عَجَبٌ *** مَا أَوْضَحَ الرَّشْدَ لَوْلاَ سَيِّئ النَّظَرِ

تَنَافَسَ النَّاسُ في الدُّنْيَا وَقَدْ عَلِمُوا *** أَنَّ المُقَامَ بِهَا كَاللَّمْحِ بِالْبَصَرِ

انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏9- 14‏]‏

‏{‏وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ‏(‏9‏)‏ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ‏(‏10‏)‏ وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ‏(‏11‏)‏ وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ ‏(‏12‏)‏ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ‏(‏13‏)‏ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ ‏(‏14‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العزيز العليم‏}‏‏:‏ الآيةُ ابتداءُ احتجاجٍ على قُرَيْشٍ يوجبُ عليهم التناقُضَ من حيث أَقرّوا بالخَالِقِ، وعَبَدُوا غيره، وجاءتِ العبارةُ عنِ اللَّه ب ‏{‏العزيز العليم‏}‏؛ ليكونَ ذلك تَوْطِئَةً لما عَدَّدَ سبحانه من أوصافه التي ابتدأَ الإخبار بها، وقَطَعَهَا من الكلام الذي حكى معناه عن قُرَيْشٍ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الذى جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ‏}‏ الآية، هذه أوصافُ فِعْلٍ، وهي نِعَمٌ من اللَّه سبحانه على البَشَرِ، تقوم بها الحُجَّةُ على كُلِّ مُشْرِكٍ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏الذى جَعَلَ لَكُمُ‏}‏ ليس هو مِنْ قَوْلِ المسؤولين، بل هو ابتداء إخبارٍ من اللَّه تعالى‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏والذى نَزَّلَ مِنَ السماء مَاءَ بِقَدَرٍ‏}‏ قيل‏:‏ معناه‏:‏ بقدر في الكفاية للصلاح لا إكثار فَيَفْسُدَ، ولا قِلَّة فيقصر؛ بل غيثاً مُغِيثاً، وقيل‏:‏ ‏{‏بِقَدَرٍ‏}‏ أي‏:‏ بقضاء وحَتْمٍ، وقالت فرقة‏:‏ معناه‏:‏ بتقديرٍ وتحريرٍ، أي‏:‏ قدر ماء معلوماً، ثم اختلف قائلُو هذه المقالة فقال بعضهم‏:‏ ينزل في كلِّ عامٍ ماءً قَدْراً واحداً، لا يَفْضُلُ عامٌ عاماً، لكن يكثر مرَّةً ههنا ومرة ههنا، وقال بعضهم‏:‏ بل ينزل تقديراً مَّا في عَامٍ، وينزل في آخرَ تقديراً مَّا، وينزل في آخر تقديراً آخرَ بِحَسَبِ ما سَبَقَ به قضاؤه لا إله إلا هو‏.‏

قُلْتُ‏:‏ وبعض هذه الأقوالِ لا تُقَالُ من جهة الرأْيِ، بل لا بُدَّ لها من سَنَدٍ، و‏{‏فَأَنشَرْنَا‏}‏ معناه‏:‏ أَحْيَيْنَا؛ يقال‏:‏ نُشِرَ المَيِّتُ وأَنْشَرَهُ اللَّهُ، والأزواجُ هنا الأنواعُ من كل شيْءٍ، و‏{‏مِنْ‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏مِّنَ الفلك والأنعام‏}‏ للتبعيض، والضمير في ‏{‏ظُهُورِهِ‏}‏ عائدٌ على النوع المركوبِ الذي وقَعَتْ عليه «ما»، وقد، بَيَّنَتْ آية أخرى ما يقال عند ركوب الفُلْكِ، وهو‏:‏ ‏{‏بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 41‏]‏ وإنما هذه خاصَّةٌ فيما يُرْكَبُ من الحيوان، وإنْ قَدَّرنا أَنَّ ذِكْر النعمة هو بالقَلْبِ، والتذكُّر بدء الراكِبُ ب ‏{‏سبحان الذى سَخَّرَ لَنَا هذا‏}‏، وهو يرى نعمة اللَّه في ذلك وفي سواه و‏{‏مُقْرِنِينَ‏}‏ أي‏:‏ مطيقين، وقال أبو حيَّان ‏{‏مُقْرِنِينَ‏}‏‏:‏ خبر كان، ومعناه غالبين ضابطين، انتهى، وهو بمعنى الأَوَّل، ‏{‏وَإِنَّا إلى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ‏}‏ أَمْرٌ بالإقرار بالبعث‏.‏

* ت *‏:‏ وعن حمزة بن عمرو الأسلميِّ قال‏:‏ قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ على ظَهْرِ كُلِّ بَعِيرٍ شَيْطَانٌ، فَإذَا رَكِبْتُمُوهَا فَسَمُّوا اللَّهَ ‏"‏ رواه ابن حِبَّان في «صحيحه»، انتهى من «السلاح»، وينبغي لمن مَلَّكَهُ اللَّه شيئاً من هذا الحيوان أَنْ يَرْفُقَ به ويُحْسِنَ إليه؛ لينالَ بذلك رضا اللَّه تعالى، قال القُشَيْرِيُّ في «التحبير»‏:‏ وينبغي لِلْعَبْدِ أنْ يكُونَ مُعَظِّماً لِرَبِّه، نَفَّاعاً لخلقه، خيراً في قومه، مُشْفِقاً على عباده؛ فَإنَّ رأس المعرفة تعظيمُ أمر اللَّه سبحانه، والشفقَةُ على خَلْقِ اللَّه، انتهى، وروى مالكٌ في «المُوَطَّإ» عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أَنَّه قال‏:‏

‏"‏ بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ إذِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْراً فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ، فَخَرَجَ فَإذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثرى مِنَ العَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ‏:‏ لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقَى فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ، فَقَالُوا‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإنَّ لَنَا في الْبَهَائِمِ أَجْرَاً‏؟‏‏!‏ فَقَالَ‏:‏ في كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ ‏"‏ قال أبو عُمَرَ في «التمهيد»‏:‏ وكذا في الإساءة إلى الحيوان إثْمٌ، وقد روى مالكٌ، عن نافع، عن ابنِ عمر؛ أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ في هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلاَ هِيَ أَطْعَمَتْهَا، ولاَ هِيَ أَطْلَقَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ ‏"‏، ثم أسند أبو عُمَرَ؛ ‏"‏ أَنَّ النبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ حَائِطاً مِنْ حِيطَانِ الأَنْصَارِ، فَإذَا جَمَلٌ قَدْ أُتِيَ فَجُرْجِرَ، وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَرَاتَهُ وَذِفْرَاهُ، فَسَكَنَ، فَقَالَ‏:‏ مَنْ صَاحِبُ الجَمَلِ‏؟‏ فَجَاءَ فَتًى مِنَ الأنْصَارِ، فَقَالَ‏:‏ هُوَ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ‏:‏ أَمَا تَتَّقِي اللَّهَ في هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ؛ إنَّهُ شَكَا إلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وتُدْئِبُهُ ‏"‏ ومعنى ذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، أي‏:‏ قَطَرَتْ دموعُهما قطراً ضعيفاً، والسَّرَاةُ الظَّهْرُ، «والذفرى»‏:‏ ما وراءَ الأذنَيْن عن يمين النُّقْرَةِ وشِمَالِهَا، انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 19‏]‏

‏{‏وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ ‏(‏15‏)‏ أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ ‏(‏16‏)‏ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ‏(‏17‏)‏ أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ‏(‏18‏)‏ وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ ‏(‏19‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً‏}‏ أيْ‏:‏ جَعَلَتْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ والعربِ للَّه جزءاً، أي‏:‏ نصيباً وحَظًّا، وهو قولُ العَرَبِ‏:‏ «الملائكة بنات اللَّه»؛ هذا قول كثير من المتأولين، وقال قتادة‏:‏ المراد بالجُزْء‏:‏ الأَصنَامُ وغيرها ف ‏{‏جُزْءاً‏}‏ معناه‏:‏ نِدًّا‏.‏

* ت *‏:‏ وباقي الآية يُرَجِّحُ تأويلَ الأكثرِ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَمِ اتخذ‏}‏‏:‏ إضرابٌ وتقريرٌ وتوبيخٌ؛ إذِ المحمود المحبوبُ من الأولاد قد خَوَّلَهُ اللَّه بني آدم، فكيفَ يتَّخِذُ هو لنفسه النصيب الأدنى، وباقي الآية بَيِّنٌ مِمَّا ذُكِرَ في «سورة النحل» وغيرها‏.‏

ثم زاد سبحانه في توبيخهم وإفساد رأيهم بقوله‏:‏ ‏{‏أَوَمَن يُنَشَّأُ فِى الحلية‏}‏ التقدير‏:‏ أو مَنْ يُنَشَّأُ في الْحِلْيَةِ هو الذي خَصَصْتُم به اللَّه عز وجل، والحِلْيَةُ‏:‏ الْحَليُ من الذهب والفضة والأحجار، و‏{‏يُنَشَّأُ‏}‏ معناه‏:‏ ينبت وَيَكْبُر، و‏{‏الخصام‏}‏‏:‏ المحاجَّةُ ومجاذبة المحاورة، وقَلَّ ما تجد امرأة إلاَّ تُفْسِدُ الكلام وتخلط المعاني، وفي مصحف ابن مسعود‏:‏ «وَهُوَ في الكَلاَمِ غَيْرُ مُبِينٍ» والتقدير‏:‏ غير مُبِينٍ غَرَضاً أو منزعاً ونحو هذا، وقال ابن زيد‏:‏ المراد ب ‏{‏مَنْ يُنَشَّأُ فِى الحلية‏}‏‏:‏ الأصنامُ والأوثان، لأنَّهم كانوا يجعلون الحَلْيَ على كثيراً منها، ويتخذون كثيراً منها من الذهب والفضة، وقرأ أكثر السبعة‏:‏ «وجَعَلُوا المَلاَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثاً» وقرأ الحَرَمِيَّانِ وابنُ عَامِرٍ‏:‏ «عِنْدَ الرحمن إناثاً» وهذه القراءة أَدَلُّ على رفع المنزلة‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ‏}‏ معناه أَأُحْضِرُوا خَلْقَهُمْ، وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏سَتُكْتَبُ شهادتهم وَيُسْئَلُونَ‏}‏ وعيدٌ مُفْصِحٌ، وأسند ابن المبارك عن سليمان بن راشِدٍ؛ أنه بلغه أَنَّ امرأ لا يشهدُ شهادةً في الدنيا إلاَّ شَهِدَ بها يومَ القيامة على رؤوس الأشهاد، ولا يمتدح عبداً في الدنيا إلاَّ امتدحه يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، قال القرطبيُّ في «تذكرته»‏:‏ وهذا صحيح؛ يَدُلُّ على صِحَّتِهِ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏سَتُكْتَبُ شهادتهم وَيُسْئَلُونَ‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 18‏]‏ انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏20- 25‏]‏

‏{‏وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ‏(‏20‏)‏ أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ ‏(‏21‏)‏ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ‏(‏22‏)‏ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ‏(‏23‏)‏ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ‏(‏24‏)‏ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ‏(‏25‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَقَالُواْ لَوْ شَاءَ الرحمن مَا عبدناهم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، أي‏:‏ ما عبدنا الأصنام‏.‏

* ت *‏:‏ وقال قتادة وغيره‏:‏ يعني‏:‏ ما عبدنا الملائكة، وجعل الكفارُ إمهالَ اللَّه لهم دليلاً على رضاه عنهم، وأنَّ ذلك كالأمرِ به، ثم نفى سبحانه علمهم بهذا، وليس عندهم كتاب مُنَزَّلٌ يقتضي ذلك؛ وإنَّما هم يَظُنُّونَ ويحدسون ويُخَمِّنُون، وهذا هو الخَرْصُ والتخرُّص، والأُمَّة هنا بمعنى الملَّة والديانة، والآية على هذا تُعِيبُ عليهم التقليد، وذكر الطبريُّ عن قوم أَنَّ الأمَّة الطريقة، ثم ضرب اللَّه المثل لنبيِّه محمد عليه السلام وجعل له الأُسْوَةَ فيمن مضى من النذر والرسل؛ وذلك أَنَّ المُتْرَفِينَ من قومهم، وهم أهل التنعُّم والمال، قد قابلوهم بِمِثْلِ هذه المقالةِ، وفي قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فانتقمنا مِنْهُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ وعيدٌ لقريشٍ، وضَرْبُ مَثَلٍ لهم بِمَنْ سَلَفَ من الأمم المُعَذَّبَةِ المُكَذِّبَةِ لأنبيائها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏26- 28‏]‏

‏{‏وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ‏(‏26‏)‏ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ‏(‏27‏)‏ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ‏(‏28‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ إبراهيم‏}‏ المعنى‏:‏ واذكر إذ قال إبراهيم لأبيه وقومه‏:‏ ‏{‏إِنَّنِى بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ‏}‏ أي‏:‏ فافعل أنْتَ فِعْلَهُ، وتَجَلَّدْ جَلَدَهُ، و‏{‏بَرَاءٌ‏}‏‏:‏ صفة تجري على الوَاحِدِ والاثْنَيْنِ والجَمْعِ؛ كَعَدْلٍ وَزَوْرٍ، وقرأ ابن مسعود‏:‏ «بَرِيءٌ»‏.‏

وقوله‏:‏ «إلا الذي فطرني» قالت فرقة‏:‏ الاستثناء مُتَّصِلٌ، وكانوا يعرفون اللَّه ويُعَظِّمُونه، إلاَّ أَنَّهم كانوا يشركون معه أصنامهم، فكأَنَّ إبراهيم قَالَ لهم‏:‏ أنا لا أوافقكم إلاَّ على عبادة اللَّه الذي فطرني، وقالت فرقة‏:‏ الاستثناء مُنْقَطِعٌ، والمعنى‏:‏ لكنَّ الذي فطرني هو معبودي الهادي المُنْجي من العذاب، وفي هذا استدعاءٌ لهم، وترغيبٌ في طاعةِ اللَّه، وتطميع في رحمته‏.‏

والضمير في قوله‏:‏ ‏{‏وَجَعَلَهَا كَلِمَةً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، قالت‏:‏ فرقة‏:‏ هو عائد على كلمته بالتوحيد في قوله ‏{‏إِنَّنِى بَرَاءٌ‏}‏ وقال مجاهد وغيره‏:‏ المراد بالكلمة‏:‏ لا إله إلا اللَّه، وعاد عليها الضمير، وإنْ كان لم يجر لها ذكر؛ لأَنَّ اللفظ يتضمَّنها، والعَقِبُ‏:‏ الذُّرِّيَّةُ، ووَلَدُ الوَلَدِ ما امتدَّ فرعهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏29- 35‏]‏

‏{‏بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ ‏(‏29‏)‏ وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ ‏(‏30‏)‏ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآَنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ‏(‏31‏)‏ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ‏(‏32‏)‏ وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ‏(‏33‏)‏ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ ‏(‏34‏)‏ وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ‏(‏35‏)‏‏}‏

وقوله‏:‏ ‏{‏بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاَءِ‏}‏ يعني قريشاً ‏{‏حتى جَاءَهُمُ الحق وَرَسُولٌ‏}‏، وذلك هو شرع الإسلام، والرسول ‏[‏هو‏]‏ محمد صلى الله عليه وسلم و‏{‏مُّبِينٌ‏}‏ أي‏:‏ يبين لهم الأحكام، والمعنى في الآية‏:‏ بل أمهلتُ هؤلاءِ وَمَتَّعْتُهُمْ بالنعمة ‏{‏وَلَمَّا جَاءَهُمُ الحق‏}‏ يعني القرآن ‏{‏قَالُواْ هذا سِحْرٌ‏}‏‏.‏

‏{‏وَقَالُواْ‏}‏ يعني قريشاً‏:‏ ‏{‏لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ‏}‏ يعني‏:‏ من إحدى القريتين، وهما مَكَّةُ والطَّائِفُ، ورجل مَكَّةَ هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ في قول ابن عباس وغيره، وقال مجاهد‏:‏ هو عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وقيل غير هذا، ورجل الطائف‏:‏ قال قتادة‏:‏ هو عُرْوَةُ بْنُ مسعود، وقيل غير هذا، قال * ع *‏:‏ وإنَّما قصدوا إلى من عظم ذكره بِالسِّنِّ، وإلاَّ فرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان أعظمَ من هؤلاء؛ إذ كان المسمى عندهم «الأمين»، ثم وَبَّخَهُم سبحانه بقوله‏:‏ ‏{‏أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتِ رَبِّكَ‏}‏ و«الرحمة» اسم عامٌّ يشمل النُّبُوَّةَ وغيرها، وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ‏}‏ تزهيدٌ في السعايات، وعون على التَّوَكُّلِ على اللَّه عز وجل؛ وللَّه دَرُّ القائل‏:‏ ‏[‏الرجز‏]‏

‏[‏كَمْ جَاهِلٍ يَمْلِكُ دُوراً وقرى *** ‏[‏وَعَالِمٍ يَسْكُنُ بَيْتاً بِالْكِرَا‏]‏

لَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَهُ سُبْحَانَه *** نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ زَالَ المِرَا

وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال‏:‏ ‏"‏ إذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْراً أَرْضَاهُ بِمَا قَسَمَ لَهُ، وَبَارَكَ لَهُ فِيهِ، وَإذَا لَمْ يُرِدْ بِهِ خَيْراً، لَمْ يُرْضِهِ بِمَا قَسَمَ لَهُ، وَلَمْ يُبَارِكْ لَهُ فِيهِ ‏"‏ انتهى، و‏{‏سُخْرِيّاً‏}‏ بمعنى التسخير، ولا مدخل لمعنى الهزء في هذه الآية‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ‏}‏ قال قتادة والسُّدِّيُّ‏:‏ يعني الجنة، قال * ع *‏:‏ ولا شَكَّ أَنَّ الجنة هي الغاية، ورحمة اللَّه في الدنيا بالهداية والإيمان خير من كُلِّ مال، وفي هذا اللفظ تحقير للدنيا، وتزهيد فيها، ثم استمرَّ القولُ في تحقيرها بقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً واحدة‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية؛ وذلك أَنَّ معنى الآية أَنَّ اللَّه سبحانه أبقى على عباده، وأنعم عليهم بمراعاة بقاء الخير والإيمان، وشاء حفظه على طائفة منهم بَقِيَّةَ الدهر، ولولا كراهيةُ أنْ يكونَ الناسُ كُفَّاراً كُلُّهم، وأَهْلَ حُبٍّ في الدنيا وتجرُّدٍ لها لوسَّعَ اللَّه على الكفار غايةَ التوسعة، ومَكَّنَهم من الدنيا؛ وذلك لحقارتها عنده سبحانه، وأنها لا قَدْرَ لها ولا وزنَ؛ لفنائها وذَهَابِ رسومها، فقوله‏:‏ ‏{‏أُمَّةً وَاحِدَةً‏}‏ معناه في الكُفْرِ؛ قاله ابن عباس وغيره، ومن هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَزِنُ عِنْدَ اللَّه جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، مَا سقى كَافِراً مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ‏"‏ وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده عن عَلْقَمَةَ عن عبد اللَّه قال‏:‏

‏"‏ اضطجع رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى حَصِيرٍ فَأَثَّرَ الحَصِيرُ في جَنْبِهِ، فَلَمَّا استيقظ، جَعَلْتُ أَمْسَحُ عَنْهُ، وَأَقُولُ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلاَ آذَنْتَنِي قَبْلَ أَنْ تَنَامَ على هَذَا الحَصِيرِ، فَأَبْسُطَ لَكَ عَلَيْهِ شَيْئاً يَقِيكَ مِنْهُ‏؟‏ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ مَا لِيَ ولِلدُّنْيَا، وَمَا لِلدُّنْيَا وَمَا لِي مَا أَنَا وَالدُّنْيَا إلاَّ كَرَاكِبٍ استظل في فَيْءِ أَوْ ظِلِّ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا ‏"‏ انتهى، وقد خَرَّجه التِّرمذيُّ، وقال‏:‏ حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ،، و‏{‏سُقُفاً‏}‏ جمع سَقْف، والمعارج‏:‏ الأدراج التي يُطْلَعُ عليها؛ قاله ابن عباس وغيره، و‏{‏يَظْهَرُونَ‏}‏ معناه‏:‏ يعلون؛ ومنه حديث عائشةَ ‏(‏رضي اللَّه عنها‏)‏ والشمس في حجرتها لم تظهر بعد، والسُّرُرُ‏:‏ جمع سرير، والزُّخْرُفُ‏:‏ قال ابن عَبَّاس، والحسن، وقتادة والسُّدِّيُّ‏:‏ هو الذهب، وقالت فرقة‏:‏ الزُّخْرُفُ‏:‏ التزاويق والنَّقْش ونحوه؛ وشاهده‏:‏ ‏{‏حتى إِذَا أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 24‏]‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا‏}‏ بتخفيف الميم من «لما»؛ ف«إنْ» مُخَفَّفَةٌ من الثقيلة، واللام في «لما» داخلةٌ؛ لتَفْصِلَ بين النفي والإيجاب، وقرأ عاصم، وحمزة، وهشام بخلافٍ عنه بتشديد الميم من «لمَّا»؛ ف«إنْ» نافيةٌ بمعنى ‏[‏«مَا»، و«لَمَّا» بمعنى‏]‏ «إلاَّ»، أي‏:‏ وما كُلُّ ذلك إلاَّ متاعُ الحياة الدنيا، وفي قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏والأخرة عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ‏}‏ وعْدٌ كريمٌ، وتحريضٌ على لزوم التقوى، إذْ في الآخرة هو التباينُ الحقيقيُّ في المنازل؛ قال الفخر‏:‏ بَيَّنَ تعالى أَنَّ كُلَّ ذلك متاع الحياة الدنيا، وأَمَّا الآخرة فهي باقيةٌ دائمةٌ، وهي عند اللَّه وفي حُكْمِهِ للمتَّقِينَ المُعْرِضِينَ عَنْ حُبِّ الدنيا، المقبلين على حُبِّ المَوْلَى، انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏36- 42‏]‏

‏{‏وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ‏(‏36‏)‏ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ‏(‏37‏)‏ حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ ‏(‏38‏)‏ وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ‏(‏39‏)‏ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ‏(‏40‏)‏ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ ‏(‏41‏)‏ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ ‏(‏42‏)‏‏}‏

وقوله عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرحمن‏}‏ الآية، وعَشَا يَعْشُو معناه‏:‏ قَلَّ الإبصارُ منه، ويقال أيضاً‏:‏ عَشِيَ الرجلُ يعشى‏:‏ إذا فَسَدَ بَصَرُه، فلم يَرَ، أَو لَمْ يَرَ إلاَّ قليلاً، فالمعنى في الآية‏:‏ ومَنْ يَقِلُّ بَصَرُهُ في شرع اللَّه، ويغمضُ جفونه عن النَّظَرِ في ذِكْرِ الرحمن، أي‏:‏ فيما ذكَّر به عباده، أي‏:‏ فيما أنزله من كتابه، وأوحاه إلى نَبِيِّه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً‏}‏ أي‏:‏ نُيَسِّرْ له، ونُعِدَّ، وهذا هو العقاب على الكفر بالحتم وعدمِ الفلاحِ، وهذا كما يقال‏:‏ إنَّ اللَّه تعالى يُعَاقِبُ على المعصية بالتزيُّد في المعاصي، ويجازي على الحسنة بالتزيُّد من الحَسَنَاتِ، وقد روي هذا المعنى مرفوعاً‏.‏ قال * ص *‏:‏ ‏{‏وَمَن يَعْشُ‏}‏ الجمهور بضم الشين، أي‏:‏ يَتَعَامَ ويتجاهَلْ، ف ‏{‏مَنْ‏}‏ شرطيةٌ، و‏{‏يَعْشُ‏}‏ مجزومٌ بها، و‏{‏نُقَيِّضْ‏}‏ جوابُ ‏{‏مَنْ‏}‏، انتهى، والضمير في قوله‏:‏ ‏{‏وَإِنَّهُمْ‏}‏ عائد على الشياطين، وفيما بعده عائد على الكُفَّارِ، وقرأ نافع وغيره‏:‏ «حَتَّى إذَا جَاءَانَا»؛ على التثنية، يريد‏:‏ العاشي والقرين؛ قاله قتادة وغيره، وقرأ أبو عمرو وغيره‏:‏ «جَاءَنا» يريد العاشي وحدَه، وفاعل ‏{‏قَالَ‏}‏ هو العَاشِي، قال الفَخْرُ‏:‏ ورُوِيَ أَنَّ الكافر إذا بُعِثَ يوم القيامة من قبره أَخَذَ شَيْطَانٌ بيده، فلم يُفَارِقْهُ حتى يصيِّرهما اللَّه إلى النار، فذلك حيث يقول‏:‏ ‏{‏ياليت بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المشرقين‏}‏ انتهى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏بُعْدَ المشرقين‏}‏ يحتمل مَعَانِيَ‏:‏

أحدها‏:‏ أن يريد بُعْدَ المشرق من المغرب، فَسَمَّاهما مَشْرِقَيْنِ؛ كما يقال القَمَرَانِ، والعُمَرَانِ‏.‏

والثاني‏:‏ أنْ يريد مشرق الشمس في أطول يوم، ومشرقها في أقصر يوم‏.‏

والثالث‏:‏ أنْ يريد بعد المشرقَيْنِ من المغربين، فاكتفى بذكر المشرقين‏.‏

قلت‏:‏ واستبعد الفَخْرُ التأويل الثاني قال‏:‏ لأَنَّ المقصودَ من قوله‏:‏ ‏{‏ياليت بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المشرقين‏}‏ المبالغةُ في حصول البُعْدِ، وهذه المبالغة إنَّما تحصل عند ذكر بُعْدٍ لا يمكن وُجُودُ بُعْدٍ أزيدَ منه، والبُعْدُ بين مشرق الشتاء ومشرق الصيف ليس كذلك، فَيَبْعُدُ حَمْلُ اللَّفْظِ عليه؛ قال‏:‏ والأكْثَرُونَ عَلَى التأويل الأَوَّلِ، انتهى‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَن يَنفَعَكُمُ اليوم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، حكايةٌ عن مقالة تُقَالُ لهم يوم القيامة، وهي مقالة مُوحِشَةٌ فيها زيادةُ تعذيبٍ لهم ويأْسٍ من كل خير، وفاعل ‏{‏يَنفَعَكُمُ‏}‏ الاشتراك، ويجوز أنْ يكون فاعل ‏{‏يَنفَعَكُمُ‏}‏ التُّبَرِّي الذي يدل عليه قوله‏:‏ ‏{‏ياليت‏}‏‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، خطاب لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وباقي الآية تكرَّر معناه غيرَ ما مَرَّةٍ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏43- 45‏]‏

‏{‏فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏43‏)‏ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ‏(‏44‏)‏ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آَلِهَةً يُعْبَدُونَ ‏(‏45‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاستمسك بالذى أُوحِىَ إِلَيْكَ‏}‏ أي‏:‏ بما جاءك من عند اللَّه من الوحي الْمتلوِّ وغيره‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ‏}‏ يحتمل أَنْ يريد‏:‏ وإنَّهُ لشرف في الدنيا لكَ ولِقَوْمِكَ يعني‏:‏ قُرَيْشاً؛ قاله ابن عباس وغيره، ويحتمل أنْ يريد‏:‏ وإنَّه لتذكرة وموعظة، ف«القومُ» على هذا أُمَّتُهُ بأجمعها، وهذا قول الحسن بن أبي الحسن‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ‏}‏ قال ابن عباس وغيره‏:‏ معناه‏:‏ عن أوامر القرآن ونواهيه، وقال الحسن‏:‏ معناه‏:‏ عن شكر النعمة فيه، واللفظ يحتمل هذا كلَّه ويعمُّه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، قال ابن زيد، والزُّهْرِيُّ‏:‏ أَما إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يَسْأَلِ الرُّسُلَ ليلةَ الإسْراءِ عن هذا؛ لأَنَّهُ كان أَثْبَتَ يقيناً مِنْ ذلك، ولم يكُنْ في شَكٍّ، وقال ابنُ عَبَّاسٍ وغيره‏:‏ أراد‏:‏ واسأل أَتْبَاعَ مَنْ أرسلنا وحَمَلَةَ شرائعهم، وفي قراءة ابن مسعود وأُبَيٍّ‏:‏ «واسْئَلِ الَّذِينَ أَرْسَلْنَا إلَيْهِمْ»‏.‏

* ت *‏:‏ قال عِيَاضٌ‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ الخطابُ مواجهةٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، والمراد المشركون؛ قاله القُتَبِيُّ، ثم قال عِيَاضٌ‏:‏ والمراد بهذا، الإعلامُ بأَنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ لم يأذنْ في عبادة غيره لأحد؛ رَدًّا على مُشْرِكي العرب وغيرهم في قولهم‏:‏ ‏{‏مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 3‏]‏ انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏46- 51‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏46‏)‏ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآَيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ ‏(‏47‏)‏ وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ‏(‏48‏)‏ وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ ‏(‏49‏)‏ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ ‏(‏50‏)‏ وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ ‏(‏51‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بئاياتنا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، ضَرْبُ مثلٍ وأسوةٍ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم بموسى عليه السلام ولِكُفَّارِ قريشٍ بقوم فرعونَ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وأخذناهم بالعذاب‏}‏ أي‏:‏ كالطوفان والجراد والقُمَّلِ والضفادع، وغير ذلك ‏{‏لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏}‏ أي‏:‏ يتوبون ويرجعون عن كفرهم، وقالوا لما عاينوا العذاب لموسى‏:‏ ‏{‏ياأيها الساحر‏}‏ ‏[‏أي‏]‏‏:‏ العَالِمُ، وإنَّما قالوا هذا على جهة التعظيم والتوقير؛ لأَنَّ عِلْمَ السحر عندهم كان علماً عظيماً، وقيل‏:‏ إنَّما قالوا ذلك على جهة الاستهزاء، والأَوَّلُ أرجَحُ، وقولهم‏:‏ ‏{‏ادع لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ‏}‏ أي‏:‏ إن نَفَعَتْنَا دَعْوَتُكَ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ مِصْرُ من بحر الإسكندريَّة إلى أُسْوَان بطول النيل، والأنهار التي أشار إليها هي الخُلْجَانُ الكِبَارُ الخارجةُ من النِّيل‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏52- 56‏]‏

‏{‏أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ‏(‏52‏)‏ فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ‏(‏53‏)‏ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ‏(‏54‏)‏ فَلَمَّا آَسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ‏(‏55‏)‏ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآَخِرِينَ ‏(‏56‏)‏‏}‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَمْ أَنَا خَيْرٌ‏}‏ قال سِيبَوَيْهِ‏:‏ «أَمْ» هذه المعادلةُ، والمعنى‏:‏ أفأنتم لا تبصرون‏؟‏ أم تبصرون، وقالت فرقة‏:‏ «أم» بمعنى «بل»، وقرأ بعض الناس‏:‏ «أَمَا أَنَا خَيْرٌ» حكاه الفَرَّاءُ، وفي مصحف أُبَيِّ بن كعب‏:‏ «أَمْ أَنا خَيْرٌ أَمْ هَذَا» و‏{‏مُّهِينٌ‏}‏ معناه‏:‏ ضعيف، ‏{‏وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ‏}‏ إشارةٌ إلى ما بقي في لسان موسى من أَثَرِ الجَمْرَة، وكانت أحدثَتْ في لسانه عُقْدَةً، فَلَمَّا دعا في أَنْ تُحَلَّ لِيُفْقَهَ قولُهُ، أُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ، لكِنَّهُ بقي أثرٌ كان البيانُ يقع معه، فَعَيَّرَهُ فرعونُ به‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ‏}‏ يقتضى أَنَّه كان يُبِين‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَلَوْلاَ أُلْقِىَ عَلَيْهِ‏}‏‏:‏ يريد من السماء، على معنى التكرمة، وقرأ الجمهور‏:‏ «أَسَاوِرَةٌ» وقرأ حفص عن عاصم‏:‏ «أَسْوِرَةٌ» وهو ما يجعل في الذِّرَاعِ من الحلي، وكانت عادة الرجال يومئذ لُبْسَ ذلك والتَّزَيُّنَ به‏.‏

* ت *‏:‏ وذكر بعض المفسرين عن مجاهد أَنَّهم كانوا إذا سَوَّدُوا رجلاً سَوَّرُوهُ بِسِوَارٍ، وَطَوَّقُوهُ بِطَوْقٍ من ذهب؛ علامةً لسيادته، فقال فرعون‏:‏ هلا ألقى رَبُّ موسى على موسى أساورةً من ذهب، أو جاء معه الملائكةُ مقترنين مُتَتَابعين، يُقَارِنُ بعضُهُمْ بَعْضاً، يمشون معه شاهدين له، انتهى، وقال * ع *‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏مُقْتَرِنِينَ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ يحمونه، ويشهدون له، ويقيمون حُجَّتَهُ‏.‏

* ت *‏:‏ وما تقدَّم لغيره أحسنُ، ولا يُشَكُّ أنْ فرعونَ شَاهَدَ مِنْ حماية اللَّه لموسى أموراً لم يَبْقَ معه شَكٌّ في أنَّ اللَّه قَدْ مَنَعَهُ منه‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ءَاسَفُونَا‏}‏ معناه‏:‏ أغضبونا بلاَ خِلاَفٍ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فجعلناهم سَلَفاً‏}‏ «السلف»‏:‏ الفارط المُتَقَدِّمُ، أي‏:‏ جعلناهم متقدِّمين في الهلاك؛ لِيَتَّعِظَ بهم مَنْ بعدهم إلى يوم القيامة، وقال البخاريُّ‏:‏ قال قتادةُ‏:‏ ‏{‏وَمَثَلاً لِّلأَخِرِينَ‏}‏ عِظَةً، انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏57- 59‏]‏

‏{‏وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ‏(‏57‏)‏ وَقَالُوا أَآَلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ‏(‏58‏)‏ إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ‏(‏59‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، روي عن ابن عباس وغيره في تفسيرها؛ أَنَّهُ لما نَزَلَتْ‏:‏ ‏{‏إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءَادَمَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 59‏]‏ الآية، وكَوْنُ عيسى من غير فَحْلٍ قالت قريشٌ‏:‏ ما يريد محمدٌ من ذكر عيسى إلاَّ أَنْ نعبده نَحْنُ كما عَبَدَتِ النصارى عيسى، فهذا كان صدودُهُمْ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالُواْ ءَالِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ هذا ابتداء معنى ثان، وذلك أَنَّهُ لما نزل‏:‏ ‏{‏إنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 98‏]‏ الآية، قال ‏[‏ابن‏]‏ الزِّبَعْرَى ونظراؤه‏:‏ يا محمد، أآلهتنا خير أم عيسى‏؟‏ فنحن نرضى أنْ تكُونَ آلهتنا مع عيسى؛ إذْ هُوَ خَيْرٌ منها، وإذْ قد عُبِدَ، فهو من الحَصَبِ إذَنْ، فقال اللَّه تعالى‏:‏ ‏{‏مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ‏}‏ ومغالطةً، ونَسُوا أَنَّ عيسى لم يُعْبَدْ برضاً منه، وقالتْ فرقةٌ‏:‏ المراد ب ‏{‏هُوَ‏}‏ محمَّد صلى الله عليه وسلم وهو قولُ قتادة، وفي مصحف ‏[‏أُبَيٍّ‏]‏‏:‏ «خَيْرٌ أَمْ هَذَا» فالإشارة إلى نِبِيِّنا محمد عليه السلام، وقال ابن زيد وغيره‏:‏ المراد ب ‏{‏هُوَ‏}‏ عيسى، وهذا هو الراجح، ثم أخبر تعالى عنهم أَنَّهم أهلُ خصامٍ ولَدَدٍ، وأخبر عن عيسى بقوله‏:‏ ‏{‏إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ‏}‏ أي‏:‏ بالنبوَّة والمنزلة العالية‏.‏

* ت *‏:‏ ورُوِّينَا في «جامع الترمذيِّ» عن أبي أُمَامَةَ قال‏:‏ قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إلاَّ أُوتُوا الجَدَلَ، ثم تلا هذه الآية‏:‏ ‏{‏مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ‏}‏ ‏"‏ قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديث حسنٌ صحيحٌ، انتهى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وجعلناه مَثَلاً‏}‏ أي‏:‏ عبرةً وآية ‏{‏لبني إِسْرَائِيلَ‏}‏ والمعنى‏:‏ لا تستغربوا أَنْ يُخْلَقَ عيسى مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ؛ فَإنَّ القُدْرَةَ تقتضي ذلك، وأكثر منه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏60- 62‏]‏

‏{‏وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ ‏(‏60‏)‏ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ‏(‏61‏)‏ وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ‏(‏62‏)‏‏}‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ‏}‏ معناه‏:‏ لجعلنا بدلاً منكم، أي‏:‏ لو شاء اللَّهُ لَجَعَلَ بَدَلاً من بني آدم ملائكةً يسكُنُونَ الأَرْضَ، ويخلفون بني آدم فيها، وقال ابن عباس ومجاهد‏:‏ يخلف بعضهم بعضاً، والضمير في قوله‏:‏ ‏{‏وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ‏}‏ قال ابن عَبَّاس وغيره‏:‏ الإشارة به إلى عيسى، وقالت فرقة‏:‏ إلى محمد، وقال قتادة وغيره‏:‏ إلى القرآن‏.‏

* ت *‏:‏ وَكَذَا نقل أبو حيَّان هذه الأقوالَ الثلاثة، ولو قيل‏:‏ إنَّه ضميرُ الأمر والشَّأن؛ استعظاماً واستهوالاً لأَمْرِ الآخِرَةِ ما بَعُدَ، بل هو المتبادَرُ إلى الذِّهْنِ، يَدُلُّ عليه‏:‏ ‏{‏فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا‏}‏، واللَّه أعلم،، وقرأ ابن عباس، وجماعة‏:‏ «لَعَلَمٌ» بفتح العين واللام، أي‏:‏ أمارة، وقرأ عِكْرِمَةُ‏:‏ «لَلْعِلْمُ» بلامين الأولى مفتوحة، وقرأ أُبيٌّ‏:‏ «لَذِكْرٌ لِلسَّاعَةِ» فمن قال‏:‏ إنَّ الإشارة إلى عيسى حَسَنٌ مع تأويله «عِلْم» و«عَلَم»، أي‏:‏ هو إشعارٌ بالساعة، وشَرْطٌ من أَشراطها، يعني‏:‏ خروجه في آخر الزمان، وكذلك مَنْ قال‏:‏ الإشارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أي‏:‏ هو آخر الأنبياء، وقد قال‏:‏ «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ» يعني السبابة والوسطى، ومَنْ قال‏:‏ الإشارة إلى القرآن حَسُنَ قوله مع قراءة الجمهور، أي‏:‏ يعلمكم بها وبأهوالها‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ‏}‏‏:‏ إشارة ‏[‏إلى‏]‏ الشرع‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏63- 65‏]‏

‏{‏وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ‏(‏63‏)‏ إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ‏(‏64‏)‏ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ ‏(‏65‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَمَّا جَاءَ عيسى بالبينات‏}‏ يعني‏:‏ إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وغير ذلك، وباقي الآية تكرَّر معناه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ‏}‏ حكايةٌ عن عيسى عليه السلام، إذْ أشار إلى شرعه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏66- 67‏]‏

‏{‏هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ‏(‏66‏)‏ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ‏(‏67‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏هَلْ يَنظُرُونَ‏}‏ يعني‏:‏ قريشاً، والمعنى‏:‏ ينتظرون و‏{‏بَغْتَةً‏}‏ معناه‏:‏ فجأة، ثم وَصَفَ سُبْحَانَه بَعْضَ حالِ القيامة، فقال‏:‏ ‏{‏الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ‏}‏، وذلك لهولِ مطلعها والخوف المُطِيفِ بالناس فيها؛ يتعادى ويتباغضُ كُلُّ خليل كان في الدنيا على غير تُقًى؛ لأَنَّه يرى أَنَّ الضَّرَرَ دخل عليه من قِبَلِ خليله، وأَمَّا المُتَّقُونَ فَيَرَوْنَ أَنَّ النفْعَ دخَلَ من بعضهم على بعض، هذا معنى كلام عليٍّ رضي اللَّه عنه وخَرَّجَ البَزَّارُ عن ابن عَبَّاس قال‏:‏ ‏"‏ قيل‏:‏ يا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ جُلَسَائِنَا خَيْرٌ‏؟‏ قَالَ‏:‏ مَنْ ذَكَّرَكُمْ باللَّهِ رُؤْيَتُهُ، وَزَادَكُمْ في عِلْمِكُمْ مَنْطِقُهُ، وَذَكَّرَكُمْ بِاللَّهِ عَمَلُهُ ‏"‏ اه، فمِنْ مِثْلِ هؤلاء تصلُحُ الأُخُوَّةُ الحقيقية، واللَّه المستعانُ، ومن كلام الشيخ أبي مَدْيَنَ رضي اللَّه عنه‏:‏ دليلُ تخليطِكَ صُحْبَتُكَ للمخلِّطين، ودليلُ انقطاعك صُحْبَتُكَ لِلمُنْقَطِعِين، وقال ابن عطاء اللَّه في «التنوير»‏:‏ قَلَّ ما تَصْفُو لَكَ الطَّاعَات، أو تَسْلَمُ من المخالَفَات، مع الدخول في الأسباب، لاِستلزامها لمعاشرة الأضداد؛ ومخالطة أَهْلِ الغَفْلة والبِعَاد، وأَكْثَرُ ما يعينك على الطاعات رؤيةُ المُطِيعين، وأَكْثَرُ ما يُدْخِلُكَ في الذَّنْبِ رؤيةُ المُذْنِبين، كما قال عليه السلام‏:‏ ‏"‏ المَرْءُ على دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ ‏"‏ والنفس من شأنها التَّشَبُّهُ والمحاكَاةُ بصفَاتِ مَنْ قارَنَهَا، فصحبةُ الغافلين مُعِينَةٌ لها على وجود الغَفْلَةِ، انتهى،، وفي «الحِكَمِ الفارقيَّة»‏:‏ مَنْ ناسب شَيْئاً انجذب إليه؛ وظَهَرَ وَصْفُهُ عليه، وفي «سماع العُتْبِيَّةِ» قال مالك‏:‏ لا تصحبْ فاجراً؛ لئلاَّ تتعلمَ من فجوره، قال ابن رُشْدٍ‏:‏ لا ينبغي أنْ يصحب إلاَّ مَنْ يُقْتَدَى به في دينه وخيره؛ لأَنَّ قرينَ السوء يُرْدِي؛ قال الحكيم‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

‏[‏إذَا كُنْتَ في قَوْمٍ فَصَاحِبْ خِيَارَهُم *** وَلاَ تَصْحبِ الأردى فتردى مَعَ الرَّدِي‏]‏

عَنِ الْمَرْءِ لاَ تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِه *** فَكُلُّ قَرِينٍ بالْمُقَارَنِ يَقْتَدِي

انتهى‏.‏

* ت *‏:‏ وحديث‏:‏ ‏"‏ المَرْءُ على دِينِ خَلِيلهِ ‏"‏ أخرجه أبو داود، وأبو بكر بن الخطيب وغيرهما، وفي «المُوَطَّإ» من حديث معاذ بن جبل، قال‏:‏ سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ قال اللَّه تبارك وتعالى‏:‏ ‏"‏ وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ والمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ ‏"‏ قال أبو عمر‏:‏ إسناده صحيحٌ عن أبي إدريس الخولانيِّ عن معاذ، وقد رواه جماعة عن معاذٍ، ثم أسند أبو عمر من طريق أبي مسلم الخولاني، عن معاذ قال‏:‏ سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ المُتَحَابُّونَ في اللَّه على مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ في ظِلِّ الْعَرْشِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إلاَّ ظِلُّهُ ‏"‏، قال أبو مسلم‏:‏ فخرجت فلقيتُ عُبَادَةَ بنَ الصَّامِتِ، فذكرتُ له حديث مُعَاذٍ، فقال‏:‏ وَأَنا سمعتُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ‏:‏ قَالَ‏:‏ ‏"‏ حَقَّتْ مَحَبَّتِي عَلَى المُتَحَابِّينَ فِيَّ، وحَقَّتْ مَحَبَّتِي عَلَى المُتَزَاوِرِينَ فيَّ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتي عَلَى المُتَبَاذِلِينَ فيَّ،، والمُتَحَابُّونَ في اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ في ظِلِّ الْعَرْشِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إلاَّ ظِلُّهُ ‏"‏ انتهى من «التمهيد»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏68- 73‏]‏

‏{‏يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ‏(‏68‏)‏ الَّذِينَ آَمَنُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ ‏(‏69‏)‏ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ ‏(‏70‏)‏ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏71‏)‏ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏72‏)‏ لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ ‏(‏73‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ياعباد‏}‏ المعنى‏:‏ يقال لهم، أي‏:‏ للمتقين، وذكر الطبريُّ عن المعتمر عن أبيه أنه قال‏:‏ سمعت أَنَّ الناس حين يُبْعَثُونَ ليس منهم أَحَدٌ إلاَّ فَزِعَ، فينادي منادٍ‏:‏ يا عبادي، لا خوفٌ عليكم اليوم، ولا أنتم تحزنون، فيرجوها الناسُ كُلُّهم، فَيُتْبِعُها‏:‏ ‏{‏الذين ءَامَنُواْ بئاياتنا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ‏}‏ قال‏:‏ فَيَيْئَسُ منها جميعُ الكُفَّار‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏الذين ءَامَنُواْ‏}‏ نعت للعباد، و‏{‏تُحْبَرُونَ‏}‏ معناه‏:‏ تنعمون وتُسَرُّونَ، و«الحبرة»‏:‏ السرور، و«الأكواب»‏:‏ ضَرْبٌ من الأَواني؛ كالأباريق، إلاَّ أنها لا آذانَ لها ولا مَقَابِضَ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏74- 77‏]‏

‏{‏إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ‏(‏74‏)‏ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ‏(‏75‏)‏ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ ‏(‏76‏)‏ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ ‏(‏77‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ المجرمين‏}‏ يعني‏:‏ الكُفَّارَ، و«المُبْلِسُ»‏:‏ المُبْعَدُ اليائسُ من الخير؛ قاله قتادة وغيره، وقولهم‏:‏ ‏{‏لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ‏}‏ أي‏:‏ لِيُمِتْنَا رَبُّك؛ فنستريحَ، فالقضاء في هذه الآية‏:‏ الموتُ؛ كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَوَكَزَهُ موسى فقضى عَلَيْهِ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 15‏]‏ ورُوِيَ في تفسير هذه الآية عن ابن عباس؛ أَنَّ مالكاً يقيم بعد سؤالهم ألف سنة، ثم حينئذ يقول لهم‏:‏ ‏{‏إِنَّكُمْ ماكثون‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏78- 83‏]‏

‏{‏لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ‏(‏78‏)‏ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ‏(‏79‏)‏ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ‏(‏80‏)‏ قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ‏(‏81‏)‏ سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ‏(‏82‏)‏ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ‏(‏83‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏لَقَدْ جئناكم‏}‏ يحتملُ أنْ يكونَ مِنْ تَمَامِ قول مالِكٍ لهم، ويحتمل أنْ يكون من قول اللَّه تعالى لقريشٍ، فيكونُ فيه تخويفٌ فصيحٌ بمعنى‏:‏ انظروا كيف يكون حالكم‏؟‏‏!‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَمْ أَبْرَمُواْ أَمْراً‏}‏ أي‏:‏ أحكموا أمراً في المكر بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم ‏{‏فَإِنَّا مُبْرِمُونَ‏}‏ أي‏:‏ مُحْكِمُون أمراً في نَصْرِهِ ومجازاتهم، والمراد ب«الرسل» هنا‏:‏ الحَفَظَةُ من الملائكة يكتبون أعمال العباد، وتَعُدُّ للجزاء يوم القيامة‏.‏

«واخْتُلِفَ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين‏}‏ فقال مجاهد‏:‏ المعنى إنْ كان للَّه ولد في قولكم، فأنا أَوَّل مَنْ عَبَدَ اللَّه وَوَحَّدَهُ وكَذَّبكم، وقال ابن زيد وغيره‏:‏ «إن»‏:‏ نافية بمعنى «ما»؛ فكأَنَّه قال‏:‏ قل ما كان للرحمن ولد، وهنا هو الوقف على هذا التأويل، ثم يبتدئ قوله‏:‏ ‏{‏فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين‏}‏ قَال أبو حاتم قالت فرقةٌ‏:‏ العابِدُونَ في الآية‏:‏ مِنْ عَبِدَ الرجلُ‏:‏ إذا أَنِفَ وأنكر، والمعنى‏:‏ إنْ كان للرحمن ولد في قولكم، فأنا أَوَّلُ الآنفين المُنْكِرِينَ لذلك، وقرأ أبو عبد الرحمن‏:‏ «فَأَنَا أَوَّلُ الْعَبِدِينَ» قال أبو حاتم‏:‏ العَبِدُ بكسر الباء‏:‏ الشَّدِيدُ الغضب، وقال أبو عُبَيْدَةَ‏:‏ معناه‏:‏ أول الجاحدين، والعَرَبُ تقولُ‏:‏ عَبَدَني حَقِّي، أي‏:‏ جَحَدَنِي، وباقي الآية تنزيه للَّه سبحانه، ووعيد للكافرين، و‏{‏يَوْمَهُمُ الذى يُوعَدُونَ‏}‏ هو يوم القيامة، هذا قول الجمهور، وقال عِكْرَمَةُ وغيره‏:‏ هو يوم بَدْرٍ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏84- 87‏]‏

‏{‏وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ‏(‏84‏)‏ وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ‏(‏85‏)‏ وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ‏(‏86‏)‏ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ‏(‏87‏)‏‏}‏

وقوله جَلَّتْ عظمته‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الذى فِى السماء إله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، آيةُ تعظيمٍ وإخبارٍ بأُلُوهِيَّتِهِ سبحانه، أي‏:‏ هو النافذ أَمْرُهُ في كُلِّ شيء، وقرأ عمر بن الخَطَّاب، وأُبَيٌّ، وابنِ مسعود، وغيرهم‏:‏ «وَهُوَ الَّذِي في السَّمَاءِ اللَّهُ وَفي الأَرْضِ اللَّهُ» وباقي الآية بَيِّنٌ، ثم ‏[‏أَعْلَمَ سبحانه‏]‏ أَنَّ مَنْ عُبِدَ من دون اللَّه لا يملك شفاعةً يَوْمَ القيامة، إلاَّ مَنْ شَهِدَ بالحق، وهم الملائكة، وعيسى وعُزَيْرٌ؛ فإنَّهُمْ يملكون الشفاعة؛ بأنْ يُمَلِّكُها اللَّه إيَّاهم؛ إذ هم مِمَّنْ شَهِدَ بالحقِّ، وهم يعلمونه، فالاستثناء على هذا التأويل مُتَّصِلٌ، وهو تأويل قتادة، وقال مجاهد وغيره‏:‏ الاستثناء في المشفوع فيهم، فكأَنَّه قال‏:‏ لا يشفع هؤلاءِ الملائكةُ، وعيسى، وعُزَيْرٌ إلاَّ فيمن شَهِدَ بالحق، أي‏:‏ بالتوحيد فآمن على عِلْمٍ وبَصِيرةٍ، فالاستثناء على هذا التأويل مُنْفَصِلٌ، كأَنَّه قال‏:‏ لكن مَنْ شَهِدَ بالحَقِّ؛ فيشفع فيهم هؤلاءِ، والتأويل الأَوَّلُ أصوب، وقرأ الجمهور‏:‏ «وَقِيلَهُ» بالنصب، وهو مصدر؛ كالقَوْلِ، والضَّمِيرُ فيه لِنَبِيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، واخْتُلِفَ في الناصب له، فقالت فرقة‏:‏ هو معطوف على قوله‏:‏ ‏{‏سِرَّهُمْ ونجواهم‏}‏ ولفظ البخاريِّ ‏{‏وَقِيلِهِ يارب‏}‏‏:‏ تفسيرُهُ‏:‏ أيحسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْوَاهُمْ ‏[‏و‏]‏ لا نَسْمَعُ قِيلَهُ يا رَبِّ، انتهى،، وقيل‏:‏ العامل فيه ‏{‏يَكْتُبُونَ‏}‏ ونزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقِيلِهِ يارب‏}‏ بمنزلة شكوى محمَّد عليه السلام واستغاثَتِهِ مِنْ كُفْرِهِمْ وعُتُوِّهم، وقرأ حمزةُ وعاصمٌ‏:‏ «وَقِيلِهِ» بالخفض؛ عطفاً على الساعة‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فاصفح عَنْهُمْ‏}‏‏:‏ مُوَادَعَةٌ منسوخةٌ ‏{‏وَقُلْ سلام‏}‏ تقديره‏:‏ أَمْرِي سلامٌ، أيْ‏:‏ مسالمة ‏{‏فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ‏}‏‏.‏

سورة الدخان

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 3‏]‏

‏{‏حم ‏(‏1‏)‏ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ‏(‏2‏)‏ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ ‏(‏3‏)‏‏}‏

‏{‏حم* والكتاب المبين * إِنَّا أنزلناه فِى لَيْلَةٍ مباركة‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، قوله‏:‏ ‏{‏والكتاب المبين‏}‏ قَسَمٌ أقسم اللَّه تعالى به، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّا أنزلناه‏}‏ يحتمل أنْ يقَعَ القَسَمُ عليه، ويحتملُ أَنْ يكون وصفاً للكتاب، ويكون الذي وقع القَسَمُ عليه ‏{‏إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ‏}‏، واخْتُلِفَ في تعيين الليلة المباركة، فقال قتادَةُ، والحسن، وابن زيد‏:‏ هي ليلة القَدْرِ، ومعنى هذا النزول أَنَّ ابتداء نزوله كان في ليلة القَدْرِ؛ وهذا قول الجمهور،، وقال عِكْرَمَةَ‏:‏ الليلة المباركة هي ليلة النصف من شعبان، قال القُرْطُبِيُّ‏:‏ والصحيح أَنَّ الليلةَ التي يُفْرَقُ فِيهَا كُلَّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، ليلةُ القَدْرِ مِنْ شَهْر رمضانَ، وهي الليلة المباركة، انتهى من «التذكرة»، ونحوُهُ لابن العربيِّ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏4- 17‏]‏

‏{‏فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ‏(‏4‏)‏ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ‏(‏5‏)‏ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏(‏6‏)‏ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ‏(‏7‏)‏ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ‏(‏8‏)‏ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ ‏(‏9‏)‏ فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ‏(‏10‏)‏ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏11‏)‏ رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ‏(‏12‏)‏ أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ‏(‏13‏)‏ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ ‏(‏14‏)‏ إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ ‏(‏15‏)‏ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ ‏(‏16‏)‏ وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ ‏(‏17‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ‏}‏ معناه يُفْصَلُ من غيره وَيَتَخَلَّصُ، فعن عِكْرِمَةَ أَنَّ اللَّه تعالى يَفْصِلُ ذلك للملائكة في ليلة النصف من شعبان، وفي بعض الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أَنَّهُ قال‏:‏ ‏"‏ تُقْطَعُ الآجَالُ مِنْ شَعْبَانَ إلَى شَعْبَانَ، حتى إنَّ الرَّجُلَ ليَنْكِحُ وَيُولَدُ لَهُ، وَلَقَدْ خَرَجَ اسمه في الموتى ‏"‏ وقال قتادة، والحسن، ومجاهد‏:‏ يُفْصَلُ في ليلة القدر كُلُّ ما في العامِ المُقْبِلِ، من الأقدار، والأرزاقِ، والآجال، وغير ذلك، و‏{‏أمْراً‏}‏ نُصِبَ على المصدر‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ‏}‏ يحتمل أنْ يريدَ الرُّسُلَ والأَشْيَاءَ، ويحتمل أَنْ يريدَ الرحمة التي ذكر بَعْدُ، واختلف الناس في «الدخان» الذي أمر اللَّه تعالى بارتقابه، فقالت فرقة؛ منها عليٌّ، وابن عباس، وابن عمر، والحَسَنُ بْنُ أبي الحَسَنِ، وأبو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ‏:‏ هو دُخَانٌ يجيء قَبْلَ يومِ القيامة، يُصِيبُ المؤمنَ منه مِثْلُ الزكام، ويَنْضَحُ رُؤُوسَ المنافِقِينَ والكافِرِينَ، حتى تكونَ كأنَّها مَصْلِيَّةٌ حنيذة، وقالت فرقة، منها ابن مسعود‏:‏ هذا الدخان قد رأته قريشٌ حين دعا عليهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ، فكان الرجُلُ يرى من الجُوع دُخَاناً بينه وبين السماء؛ وما يأتي من الآيات يُؤَيِّدُ هذا التأويلَ، وقولهم‏:‏ ‏{‏إِنَّا مُؤْمِنُونَ‏}‏ كان ذلك منهم مِنْ غَيْرِ حقيقةٍ، ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏أنى لَهُمُ الذكرى‏}‏ أي‏:‏ من أين لهم التَّذَكُّرُ وَالاتعاظُ بعد حُلُولِ العذاب‏؟‏ ‏{‏وَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ‏}‏ يعني‏:‏ محمداً صلى الله عليه وسلم ف ‏{‏تَوَلَّوْاْ عَنْهُ‏}‏، أي‏:‏ أعرضوا ‏{‏وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ‏}‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّكُمْ عَائِدُونَ‏}‏ أي‏:‏ إلى الكفر، واختلف في يوم البَطْشَةِ الكبرى، فقالتْ فرقةٌ‏:‏ هو يوم القيامة، وقال ابن مسعود وغيره‏:‏ هو يوم بدر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏18- 24‏]‏

‏{‏أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ‏(‏18‏)‏ وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آَتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ‏(‏19‏)‏ وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ‏(‏20‏)‏ وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ ‏(‏21‏)‏ فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ ‏(‏22‏)‏ فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ‏(‏23‏)‏ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ‏(‏24‏)‏‏}‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَنْ أَدُّواْ‏}‏ مأخوذ من الأداء، كأنَّه يقول‏:‏ أنِ ادْفَعُوا إليَّ، وأعطوني، ومَكِّنُوني من بني إسرائيل، وَإيَّاهم أراد بقوله‏:‏ ‏{‏عِبَادَ الله‏}‏، وقال ابن عباس‏:‏ المعنى‏:‏ اتبعوني إلى ما أدعوكم إليه من الحَقِّ، فعباد اللَّه على هذا مُنَادًى مضافٌ، والمؤدى هي الطاعة، والظاهر من شرع موسى عليه السلام أَنَّهُ بُعِثَ إلى دعاء فرعونَ إلَى الإيمَان، وأَنْ يرسل بني إسرائيل، فلمَّا أبى أَنْ يُؤمن ثبتت المكافحة في أنْ يرسل بني إسرائيل وقوله بعد‏:‏ ‏{‏وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِى فاعتزلون‏}‏ كالنَّصَّ في أَنَّه آخر الأمرِ، إنَّما يطلب إرسال بني إسرائيل فقط‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ المعنى‏:‏ كانت رسالته، وقوله‏:‏ ‏{‏أَنْ أَدُّواْ‏}‏ ‏{‏وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى الله‏}‏ أيْ‏:‏ على شرع اللَّه، وَعَبَّرَ بالعُلُوِّ عن الطغيان والعُتُوِّ، و‏{‏أَن تَرْجُمُونِ‏}‏ معناه‏:‏ الرجم بالحجارة المُؤَدِّي إلى القتل؛ قاله قتادة وغيره، وقيل‏:‏ أراد الرجم بالقول، والأول أظهر؛ لأنَّه الذي عاذَ منه، ولم يَعُذْ من الآخر‏.‏

* قلت *‏:‏ وعن ابن عمر قال‏:‏ قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ مَنِ استعاذ باللَّهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَكُمْ باللَّهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنِ استجار باللَّهِ فَأَجِيرُوهُ، وَمَنْ أتى إلَيْكُمْ بِمَعْرُوفٍ فَكَافِئوهُ، فَإنْ لَمْ تَقْدِرُوا فادعوا لَهُ حتى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ ‏"‏، رواه أبو داود، والنسائيُّ والحاكم، وابن حِبَّانَ في «صحيحيهما»، واللفظ للنِّسَائِيِّ، وقال الحاكم‏:‏ صحيحٌ على شَرْطِ الشيخَيْنِ يعني البخاريَّ ومسلماً اه من «السلاح»‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فاعتزلون‏}‏ متاركَةٌ صريحةٌ، قال قتادة‏:‏ أراد خَلُّوا سَبِيلِي‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَدَعَا رَبَّهُ‏}‏ قبله محذوفٌ، تقديرُهُ‏:‏ فما أجابوه لِمَا طُلِبَ منهم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَأَسْرِ‏}‏ قبله محذوفٌ، أي‏:‏ قَالَ اللَّهُ له فَأَسْرِ بِعبادِي، قال ابن العربيِّ في «أحكامه»‏:‏ السرى‏:‏ سَيْرُ الليل، و«الإدْلاَجُ» سَيْرُ السَّحَرِ، و«التَّأْوِيبُ»‏:‏ سير النهار، ويقال‏:‏ سرى وأسرى انتهى‏.‏

انتهى، واخْتُلِفَ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واترك البحر رَهْواً‏}‏ متى قالها لموسى‏؟‏ فقالت فرقة‏:‏ هو كلامٌ مُتَّصِلٌ بما قبله، وقال قتادَةُ وغيره‏:‏ خُوطِبَ به بعد ما جاز البحر، وذلك أَنَّهُ هَمَّ أَنْ يضرب البَحْر؛ ليلتئم؛ خَشْيَةَ أَنْ يدخل فرعونُ وجنودُهُ وراءَهُ، و‏{‏رَهْواً‏}‏ معناه‏:‏ ساكناً كما جُزْتَهُ، قاله ابن عباس، وهذا القول هو الذي تؤيِّده اللغَةُ؛ ومنه قول القُطَامِيِّ‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

يَمْشِينَ رَهْواً فَلاَ الأَعْجَازُ خَاذِلَة *** وَلاَ الصُّدُورُ عَلَى الأَعْجَازِ تَتَّكِلُ

ومنه‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

وَأُمَّةٌ خَرَجَتْ رَهْواً إلى عِيد ***‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏

أي‏:‏ خرجوا في سُكُونٍ وَتمَهُّلٍ‏.‏

فقيل لموسى عليه السلام‏:‏ اترك البَحْرَ سَاكِناً على حاله من الانفراق؛ ليقضي اللَّه أمراً كان مفعولاً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏25- 36‏]‏

‏{‏كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ‏(‏25‏)‏ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ‏(‏26‏)‏ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ‏(‏27‏)‏ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آَخَرِينَ ‏(‏28‏)‏ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ ‏(‏29‏)‏ وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ ‏(‏30‏)‏ مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ ‏(‏31‏)‏ وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ‏(‏32‏)‏ وَآَتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآَيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ ‏(‏33‏)‏ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ ‏(‏34‏)‏ إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ ‏(‏35‏)‏ فَأْتُوا بِآَبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏36‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كَمْ تَرَكُواْ‏}‏ «كم» للتكثير، أي‏:‏ كَمْ تَرَكَ هؤلاءِ المُغْتَرُّونَ من كثرة الجنَّات والعيونِ، فَرُوِيَ أَنَّ الجناتِ كَانَتْ مُتَّصِلَةً ضِفَّتَيِ النيلِ جميعاً من رشيد إلى أُسْوَانَ، وأَمَّا العيونُ فيحتملُ أَنَّه أراد الخُلْجَانَ، فشبهها بالعيون، ويحتمل أَنَّها كانت ونَضِبَتْ، ذكر الطُّرْطُوشِيُّ في «سِرَاجِ الملوك» له، قال‏:‏ قال أبو عبد اللَّه بن حَمْدُونَ‏:‏ كنت مع المُتَوَكِّلِ لما خرج إلى دمشقَ، فركِبَ يوماً إلى رُصَافَةِ هشام بن عبد الملك، فنظر إلى قُصُورِها، ثم خرج، فنظر إلى دَيْرٍ هناك قديمٍ حَسَنِ البناءِ بين مزارعَ وأشجارٍ، فدخله، فبينما هو يطوفُ به إذ بَصُرَ برُقْعَةٍ قد أُلْصِقَتْ في صدره؛ فأمر بقلعها، فإذا فيها مكتوبٌ هذه الأبياتُ‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

أَيَا مَنْزِلاً بالدَّيْرِ أَصْبَحَ خَالِياً *** تَلاَعَبُ فِيهِ شَمْأَلٌ وَدَبُورُ

كَأَنَّكَ لَمْ يَسْكُنْكَ بِيضٌ أَوانِسٌ *** وَلَمْ تَتَبَخْتَرْ في قِبَابِكَ حُورُ

وَأَبْنَاءُ أَمْلاَكٍ غَوَاشِمُ سَادَةٌ *** صَغِيرُهُمُو عِنْدَ الأَنَامِ كَبِيرُ

إذَا لَبِسُوا أَدْرَاعَهُمْ فَعَوَابِس *** وَإنْ لَبِسُوا تِيجَانَهُمْ فَبُدُورُ

على أَنَّهُمْ يَوْمَ اللِّقَاءِ ضَرَاغِمٌ *** وَأَنَّهُمُو يَوْمَ النَّوَالِ بُحُورُ

لَيَالِي هِشَامٌ بالرُّصَافَةِ قَاطِنٌ *** وَفِيكَ ابنه يَا دَيْرُ وَهْوَ أَمِيرُ

إذِ الْعَيْشُ غَضٌّ وَالخِلاَفَةُ لَذَّةٌ *** وَأَنْتَ طَرُوبٌ وَالزَّمَانُ غَرِيرُ

وَرَوْضُكَ مُرْتَادٌ وَنَوْرُكَ مُزْهِرٌ *** وَعَيْشُ بَنِي مَرْوَانَ فِيكَ نَضِيرُ

بلى فَسَقَاكَ الْغَيْثُ صَوْبَ سَحَائِب *** عَلَيْكَ لَهَا بَعْدَ الرَّوَاحِ بُكُورُ

تَذَكَّرْتُ قَوْمِي فِيكُمَا فَبَكَيْتُهُمْ *** بِشَجْوٍ وَمِثْلِي بِالْبُكَاءِ جَدِيرُ

فَعَزَّيْتُ نَفْسِي وَهْيَ نَفْسٌ إذَا جرى *** لَهَا ذِكْرُ قَوْمِي أَنَّةٌ وَزَفِيرُ

لَعَلَّ زَمَاناً جَارَ يَوْماً عَلَيْهِمُو *** لَهُمْ بِالَّذِي تَهْوَى النُّفُوسُ يَدُورُ

فَيَفْرَحَ مَحْزُونٌ وَيَنْعَمَ بَائِسٌ *** وَيُطْلَقَ مِنْ ضِيقِ الوَثَاقِ أَسِيرُ

رُوَيْدَكَ إنَّ الدَّهْرَ يَتْبَعُهُ غَدٌ *** وَإنَّ صُرُوفَ الدَّائِرَاتِ تَدُورُ

فلما قرأها المتوكِّل، ارتاع، ثم دعا صاحب الدَّيْرِ، فسأله عَمَّن كتبها، فقال‏:‏ لا عِلْمَ لي به، وانصرف، انتهى، وفي هذا وشبهه عِبْرَة لأولِي البصائر المستَيْقِظِينَ،، اللهم، لا تجعلْنَا مِمَّنْ اغتر بزَخَارِفِ هذه الدارِ‏!‏‏!‏‏.‏

‏[‏من الطويل‏]‏

أَلاَ إنَّما الدُّنْيَا كَأَحْلاَمِ نَائِم *** وَمَا خَيْرُ عَيْشٍ لاَ يَكُونُ بِدَائِمِ

وقرأ جمهور الناس‏:‏ «ومَقَامٍ» بفتح الميم؛ قال ابن عباس وغيره‏:‏ أراد المنابر‏.‏

وعلى قراءة ضم الميم قال قتادة‏:‏ أراد‏:‏ المواضِعَ الحِسَانَ من المساكِنِ وغيرِهَا، والقولُ بالمنابرِ بعيدٌ جدًّا، و«النَّعْمَةُ» بفتح النون‏:‏ غَضَارَةُ العيشِ ولَذَاذَةُ الحياة، «والنِّعْمَةُ» بكسر النون‏:‏ أَعَمُّ من هذا كُلُّه، وقد تكون الأمراضُ والمصائبُ نِعَماً، ولا يقال فيها‏:‏ «نَعْمَةٌ» بالفتح، وقرأ الجمهور‏:‏ «فاكهين» ومعناه‏:‏ فَرِحينَ مسرورين ‏{‏كَذَلِكَ وأورثناها قَوْماً ءَاخَرِينَ‏}‏ أي‏:‏ بعد القِبْطِ، وقال قتادة‏:‏ هم بنو إسرائيل، وفيه ضعف، وقد ذكر الثعلبيُّ عن الحَسَنِ؛ أَنَّ بني إسرائيل رَجَعُوا إلى مِصْرَ بعد هلاك فِرْعَوْنَ، واختلف المتأوِّلُون في معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السماء والأرض‏}‏، فقال ابن عباس وغيره‏:‏ وذلك أَنَّ الرجُلَ المؤمنَ إذا مَاتَ، بكى عليه من الأرض موضِعُ عباداتِهِ أربعين صَبَاحاً، وبكى عليه من السماءِ مَوْضِعُ صُعُودِ عمله، قالوا‏:‏ ولم يكن في قوم فرعونَ مَنْ هذه حَالُهُ، فَتَبْكِي عليهمُ السماءُ والأَرْضُ، قال * ع *‏:‏ والمعنى الجَيِّدُ في الآية‏:‏ أَنَّها استعارةٌ فصيحةٌ تَتَضمَّن تحقير أمرهم، وأَنَّه لم يتغير لأجل هلاكهم شيء، ومثله قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏"‏ لاَ يَنْتَطِحُ فِيهَا عَنْزَانِ ‏"‏، وفي الحديثِ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال‏:‏ ‏"‏ مَا مَاتَ مُؤْمِنٌ في غُرْبَةٍ غَابَتْ عَنْهُ فِيهَا بَوَاكِيهِ، إلاَّ بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ والأَرْضُ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآية، وَقَالَ‏:‏ إنَّهُمَا لاَ يَبْكِيَانِ على كَافِرٍ ‏"‏ قال الداووديُّ‏.‏ وعن مجاهد‏:‏ ما مات مؤمنٌ إلاَّ بكَتْ عليه السماءُ والأرضُ، وقال‏:‏ أفي هذا عجبٌ‏؟‏‏!‏ وما للأرضِ لا تَبْكِي على عبدٍ كانَ يَعْمُرُها بالرُّكُوعِ والسجودِ، وما للسماء لا تَبْكِي على عبدٍ كان لتسبيحِهِ وتكبيرِهِ فيها دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ‏؟‏‏!‏ انتهى‏.‏

وروى ابن المبارك في «رقائقه» قال‏:‏ أخبرنا الأوْزاعيُّ قال‏:‏ حدَّثني عطاءٌ الخُرَاسَانِيُّ، قال‏:‏ مَا مِنْ عَبْدٍ يسجد للَّهِ سَجْدَةً في بُقْعَةٍ من بِقَاعِ الأرضِ، إلاَّ شَهِدَتْ له يَوْمَ القيامةِ، وبَكَتْ عليه يَوْمَ يَمُوتُ، انتهى، وروى ابن المبارك أَيْضاً عن أبي عُبَيْدٍ صاحبِ سليمانَ «أَنَّ العبد المؤمن إذا مات تنادَتْ بِقَاعُ الأرضِ‏:‏ عَبْدُ اللَّهِ المُؤْمِنُ مَاتَ قَالَ‏:‏ فَتَبْكِي عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، فيقولُ الرحمن تبارَكَ وتعالى‏:‏ مَا يُبْكِيكُمَا على عَبْدِي‏؟‏ فَيَقُولاَنِ‏:‏ يَا رَبَّنَا، لَمْ يَمْشِ على نَاحِيَةٍ مِنَّا قَطُّ إلاَّ وَهُوَ يَذْكُرُكَ» اه‏.‏

و ‏{‏مُنظَرِينَ‏}‏ أي‏:‏ مُؤَخَّرِينَ ‏{‏العذاب المهين‏}‏‏:‏ هو ذبح الأبناءِ، والتَّسْخِيرُ، وغيْرُ ذلك‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏على عِلْمٍ‏}‏ أي‏:‏ على شَيْءٍ قد سَبَقَ عندنا فِيهِمْ، وثَبَتَ في علمنا أَنَّه سَيَنْفُذُ، ويحتملُ أنْ يكون معناه‏:‏ على علمٍ لهم وفضائلَ فيهم على العالمين، أي‏:‏ عَالِمِي زمانهم؛ بدليل أَنَّ أُمَّةَ محمد خير أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للناس ‏{‏وءاتيناهم مِّنَ الأيات‏}‏‏:‏ لفظ جامع لما أجرى اللَّه من الآيات على يدي موسى، ولما أنعم به على بني إسرائيل، والبلاء في هذا الموضع‏:‏ الاختبارُ والاِمتحانُ؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 35‏]‏، و‏{‏مُبِينٌ‏}‏ بمعنى‏:‏ بَيِّنٌ ثم ذَكَرَ تعالى قريشاً على جهة الإنكار لقولهم وإنكارهم للبَعْثِ، فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ هَؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِىَ‏}‏ أي‏:‏ ما هي ‏{‏إِلاَّ مَوْتَتُنَا الأولى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ‏}‏ أي‏:‏ بمبعوثين، وقولُ قُرَيْشٍ‏:‏ ‏{‏فَأْتُواْ بِئَابَائِنَا‏}‏ مُخَاطَبَةٌ لِلنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم طلبوا منه أَنْ يُحْيَي اللَّهُ لَهُمْ بَعْضَ آبائِهِمْ، وَسَمَّوْا له قُصَيًّا وغيره، كي يسألوهم عَمَّا رأَوْا في آخرَتهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏37- 42‏]‏

‏{‏أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ‏(‏37‏)‏ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ‏(‏38‏)‏ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏39‏)‏ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ ‏(‏40‏)‏ يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ‏(‏41‏)‏ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ‏(‏42‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، آيةُ تقريرٍ ووعيدٍ، و‏{‏تُبَّعٍ‏}‏‏:‏ مَلِكٌ حِمْيَرِيٌّ، وكان يقال لكل ملك منهم‏:‏ «تُبَّع» إلاَّ أَنَّ المُشَارَ إليه في هذه الآية رَجُلٌ صالحٌ؛ رُوِيَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم من طريق سَهْلِ بنِ سَعْدٍ «أَنَّ تُبَّعاً هَذَا أَسْلَمَ وَآمَنَ بِاللَّهِ»، وقد ذكره ابن إسْحَاقَ في السيرة، قال السُّهَيْلِيُّ‏:‏ وبَعْدَ ما غزا تُبَّعٌ المدينة، وأراد خَرَابَهَا أُخْبِرَ بِأَنَّها مُهَاجَرُ نَبِيٍّ اسمه أَحْمَدُ، فانصرف عَنْهَا، وقال فيه شعراً وأودعه عند أهلها، فكانوا يتوارثونه كابراً عن كابر، إلى أَنْ هاجر إليهم النبي عليه السلام فَأَدَّوْهُ إليه، ويقال‏:‏ إنَّ الكتاب والشعر ‏[‏كانا‏]‏ عند أبي أيوبَ الأنصاريِّ ‏[‏ومنه‏]‏‏:‏ ‏[‏من المتقارب‏]‏

شَهِدتُّ على أَحْمَدٍ أَنَّهُ *** رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ بَارِي النَّسَمْ

فَلَوْ مُدَّ عُمْرِي إلى عُمْرِهِ *** لَكُنْتُ وَزِيراً لَهُ وابن عَمّ

وذكر الزَّجَّاجُ، وابن أبي الدنيا‏:‏ أَنَّه حُفِرَ قَبْرٌ ب«صنعاء» في الإِسلام، فَوُجِدَ فيه امرأتانِ صحيحتان، وعند رأسهما لَوْحٌ من فِضَّةٍ مكتوبٌ فيه بالذَّهَبِ‏:‏ هذا قَبْرُ حبى ولَمِيسَ، ويروى‏:‏ وتُماضِرَ ابنتي تُبَّعٍ، ماتتا وهما تَشْهَدَانِ أَنْ لاَ إله إلاَّ اللَّه، ولا تُشْرِكَانِ به شَيْئاً، وعلى ذلك مَاتَ الصَّالِحُونَ قَبْلَهُمَا، انتهى، و‏{‏يَوْمَ الفصل‏}‏‏:‏ هو يَوْمُ القيامة وهذا هو الإخْبَارُ بِالبَعْثِ، و«المولى» في هذه الآية‏:‏ يَعُمُّ جميعَ المَوَالِي‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏43- 49‏]‏

‏{‏إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ ‏(‏43‏)‏ طَعَامُ الْأَثِيمِ ‏(‏44‏)‏ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ ‏(‏45‏)‏ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ ‏(‏46‏)‏ خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ ‏(‏47‏)‏ ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ ‏(‏48‏)‏ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ‏(‏49‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّ شَجَرَةَ الزقوم * طَعَامُ الأثيم‏}‏ رُوِيَ عن ابن زيد؛ أَنَّ الأثيم المشار إليه أَبُو جَهْلٍ، ثم هي بالمعنى تتنَاوَلُ كُلَّ أثيمٍ، وهو كُلُّ فاجر، رُوِيَ أَنَّهَا لَمَّا نَزَلَتْ، جَمَعَ أبو جَهْلٍ عَجْوَةً وَزُبْداً، وقال لأصحابه‏:‏ تَزَقَّمُوا، فهذا هو الزَّقُّومُ، وهو طَعَامِي الذي حَدَّثَ به محمَّدٌ، قال * ع *‏:‏ وإنَّما قصد بذلك ضَرْباً من المغالطة والتلبيس عَلَى الجَهَلَةِ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏كالمهل‏}‏ قال ابن عباس، وابن عمر‏:‏ «المُهْلُ»‏:‏ دُرْدِيُّ الزَّيْتِ وعَكَرُهُ، وقال ابن مَسْعُودٍ وغيره‏:‏ «المُهْلُ»‏:‏ ما ذاب مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، والمعنى‏:‏ أَنَّ هذه الشجَرَةَ إذا طَعِمَهَا الكافِرُ في جَهَنَّمَ، صارَتْ في جوفه تَفْعَلُ كما يفعل المُهْلُ المُذَابُ من الإحراق والإفساد،، و‏{‏الحميم‏}‏‏:‏ الماءُ السُّخْنُ الذي يتطايَرُ من غليانه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏خُذُوهُ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، أي‏:‏ يقال يومئذ للملائكة‏:‏ خذوه، يعني الأثيم ‏{‏فاعتلوه‏}‏ و«العَتْلُ»‏:‏ السَّوْقُ بعُنْفٍ وإهانةٍ، ودَفْعٌ قَوِيٌّ مُتَّصِلٌ، كما يُسَاقُ أبداً مرتكبُ الجرائمِ، و«السَّوَاء»‏:‏ الوَسَط، وقيل‏:‏ المُعْظمُ، وذلك متلازِمٌ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم‏}‏ مُخَاطَبَةٌ على معنى التَّقْرِيعِ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏50- 54‏]‏

‏{‏إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ ‏(‏50‏)‏ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ ‏(‏51‏)‏ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ‏(‏52‏)‏ يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ ‏(‏53‏)‏ كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ‏(‏54‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّ هذا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ‏}‏‏:‏ عبارة عن قولٍ يُقَالُ للكَفَرَةِ، ثم ذكر تعالى حالة المُتَّقِينَ، فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ المتقين فِى مَقَامٍ أَمِينٍ‏}‏ أي‏:‏ مأمون، «والسُّنْدُسُ»‏:‏ رقيقُ الحَرِيرِ، و«الإسْتَبْرَقُ»‏:‏ خَشِنُهُ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏متقابلين‏}‏‏:‏ وَصْفٌ لمجالسِ أهل الجَنَّةِ، لأَنَّ بعضهم لا يستدبر بعضاً في المجالس، وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏وزوجناهم بِحُورٍ عِينٍ‏}‏ وقرأ ابن مسعود‏:‏ «بعِيسٍ عِينٍ» وهو جمع «عَيْسَاءَ»، وهي البيضاء؛ وكذلك هي من النُّوقِ، وروى أبو قِرْصَافَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّه قال‏:‏ ‏"‏ إخْرَاجُ القُمَامَةِ مِنَ المَسْجِدِ مُهُورُ الحُورِ العِينِ ‏"‏ قال الثعلبيُّ‏:‏ قال مجاهد‏:‏ يَحَارُ فِيهِنَّ الطَّرْفُ من بياضهنَّ وصفاء لونهنَّ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِنَّ من وراء ثيابِهِنَّ، ويَرَى الناظر وَجْهَهُ في كعب إحداهُنَّ كالمرآة من رِقَّةِ الجِلد وصفاء اللون، انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏55- 59‏]‏

‏{‏يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آَمِنِينَ ‏(‏55‏)‏ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ‏(‏56‏)‏ فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ‏(‏57‏)‏ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ‏(‏58‏)‏ فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ ‏(‏59‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فاكهة‏}‏ أي‏:‏ يدعون الخَدَمَةَ والمتصرِّفين‏.‏

قال أبو حيان‏:‏ ‏{‏إِلاَّ الموتة‏}‏‏:‏ استثناء مُنْقَطِعٌ، أي‏:‏ لكن الموتة الأولى ذَاقُوهَا، انتهى،، والضمير في ‏{‏يسرناه‏}‏ عائدٌ على القرآن ‏{‏بِلَسَانِكَ‏}‏ أي‏:‏ بِلُغَة العرب؛ قال الوَاحِدِيُّ‏:‏ ‏{‏لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ يَتَّعِظُون، انتهى، وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فارتقب إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ‏}‏ وَعْدٌ للنبي صلى الله عليه وسلم ووعيدٌ للكافرين‏.‏

سورة الجاثية

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 8‏]‏

‏{‏حم ‏(‏1‏)‏ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ‏(‏2‏)‏ إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ‏(‏3‏)‏ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ‏(‏4‏)‏ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ‏(‏5‏)‏ تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ‏(‏6‏)‏ وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ‏(‏7‏)‏ يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ‏(‏8‏)‏‏}‏

قوله عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏حم* تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز الحكيم * إِنَّ فِى السموات والأرض لأيات لِّلْمُؤْمِنِينَ‏}‏ قال أبو حيَّان‏:‏ أجاز الفَخْرُ الرَّازِي في ‏{‏العزيز الحكيم‏}‏ أنْ يكونا صفتينِ ل«اللَّه»، وهو الراجح، أو ل«الكتاب»؛ ورُدَّ بأنَّه لا يجوز أنْ يكونا صفتين للكتاب من وجوهٍ، انتهى‏.‏

وذكر تبارَكَ وتعالى هنا الآياتِ الَّتِي في السموات والأرضِ مُجْمَلَةً غَيْرَ مُفَصَّلَةٍ، فكأَنَّها إحالةٌ على غوامِضَ تُثِيرُها الفِكَر، ويُخْبِرُ بكثير منها الشَّرْعُ؛ فلذلك جعلها للمؤمنين، ثم ذكر سبحانه خلق البشر والحيوان، وكأَنَّه أَغْمَضَ؛ فجعله للموقنين الذين لهم نظر يُؤَدِّيهم إلى اليقين، ثم ذكر اختلاف الليل والنهار، والعِبْرَة بالمطرِ والرياحِ، فجعل ذلك لقومٍ يعقلون؛ إذ كُلُّ عاقلٍ يُحَصِّلُ هذه ويفهم قَدْرَهَا‏.‏

قال * ع *‏:‏ وإنْ كان هذا النَّظَرُ لَيْسَ بلازِمٍ وَلاَ بُدَّ، فإن اللفظ يعطيه، والرزق المُنَزَّلُ من السماء هو‏:‏ المَاءُ، وسَمَّاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ رِزْقاً بمآلِهِ، لأَنَّ جَمِيعَ ما يَرْتَزِقُ، فَعَنِ الماءِ هُوَ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بالحق‏}‏ أي‏:‏ بالصدق والإعلام بحقائق الأمور في أنفسها‏.‏

وقال جلَّتْ عظمته‏:‏ ‏{‏فَبِأَىِّ حَدِيثٍ بَعْدَ الله وءاياته يُؤْمِنُونَ‏}‏ آية تقريعٍ وتوبيخٍ، وفيها قُوَّةُ تهديدٍ، والأَفَّاكُ‏:‏ الكَذَّابُ الذي يقَعُ منه الإفْكُ مِرَاراً، والأَثِيمُ‏:‏ بناءُ مُبَالَغَةٍ، اسمُ فاعلٍ من أَثِمَ يأْثَمُ، ورُوِيَ أَنَّ سبب الآية أبو جَهْلٍ، وقيل‏:‏ النَّضْرُ بنُ الحَارِثِ، والصواب أَنَّها عامَّةٌ فيهما وفي غيرهما، وأَنَّها تَعُمُّ كُلَّ مَنْ دخل تحت الأوصافِ المذكورة إلى يوم القيامة و‏{‏يُصِرُّ‏}‏ معناه‏:‏ يَثْبُتُ على عقيدته من الكُفْرِ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ‏}‏ أي‏:‏ مُؤْلِمٍ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏9- 10‏]‏

‏{‏وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آَيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ‏(‏9‏)‏ مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‏(‏10‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءاياتنا شَيْئاً‏}‏ أي‏:‏ أُخْبِرَ بشيْءٍ من آياتنا، فعلم نَفْسَ الخبر لا المعنى الذي تضمَّنه الخَبَرُ، ولو عَلِمَ المعانِيَ الَّتِي تَضَمَّنَها أخبارُ الشَّرْعِ، وَعَرَفَ حقائِقَهَا لكان مؤمناً‏.‏

* ت *‏:‏ وفي هذا نظر؛ لأَنَّه ينحو إلى القَوْلِ بأَنَّ الكفر لا يُتَصَوَّرُ عناداً مَحْضاً، وقد تَقَدَّمَ اختيارُهُ رحمه اللَّه لذلك في غير هذا المَحَلِّ، فَقِفْ عليه، وخَشْيَةُ الإطالة منَعَتْنِي مِنْ تَكْرَارِهِ هنا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 13‏]‏

‏{‏هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ ‏(‏11‏)‏ اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ‏(‏12‏)‏ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ‏(‏13‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏هذا هُدًى‏}‏ إشارة إلى القرآن‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لَهُمْ عَذَابٌ‏}‏ بمنزلة قولك‏:‏ لهم حَظٌّ، فَمِنْ هذه الجهةِ ومِنْ جِهَةِ تَغَايُرِ اللفظَيْنِ حَسُنَ قوله‏:‏ ‏{‏عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ‏}‏، إذ الرِّجْزُ هو العذابُ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لِتَجْرِىَ الفلك فِيهِ بِأَمْرِهِ‏}‏ أَقَامَ القُدْرَةَ والإذْنَ مُنَابَ أَنْ يَأْمُرَ البَحْرَ والنَّاسَ بذلك، وقرأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحَارِبٍ‏:‏ «جَمِيعاً مِنْه» بضم التاء، وقرأ أيضاً‏:‏ «جَمِيعاً مَنُّهُ» ‏[‏بفتح الميم وشد النون والهاء‏]‏ وقرأ ابن عباس‏:‏ «مِنَّةً» بالنصب على المصدر‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ فِى ذلك لآيات لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ‏}‏ قال الغَزَّاليُّ في «الإحياء»‏:‏ الْفِكْرُ والذِّكْرُ أعلى مقامَاتِ الصالحين، وقال رحمه اللَّه‏:‏ اعلم أَنَّ الناظرين بِأنوار البصيرة عَلِمُوا أنْ لا نجاةَ إلاَّ في لقاء اللَّه عزَّ وجلَّ، وأَنَّه لا سبيل إلى اللقاء إلاَّ بأَنْ يَمُوتَ العبد مُحِبًّا للَّه تعالى، وعارِفاً به، وأَنَّ المحبَّةَ والأُنْسَ لا يتحصَّلانِ إلاَّ بدوامِ ذِكْرِ المحبوب، وأَنَّ المعرفة لا تحصل إلاَّ بدوام الفِكْرِ، ولن يتيسَّر دوامُ الذِّكْرِ والفِكْر إلاَّ بوداع الدنيا وشهواتها والاجتزاء منها بقَدْرِ البُلْغَةِ والضَّرُورَةِ،، ثم قال‏:‏ والقرآنُ جامعٌ لفَضْلِ الذِّكْرِ والفِكْرِ والدُّعَاءِ مَهْمَا كان بِتَدَبُّرٍ، انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏14- 17‏]‏

‏{‏قُلْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ‏(‏14‏)‏ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ‏(‏15‏)‏ وَلَقَدْ آَتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ‏(‏16‏)‏ وَآَتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ‏(‏17‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، قال أَكْثَرُ النَّاسِ‏:‏ هذه الآيةُ منسوخٌة بِآية القتال، وقالَتْ فرقةٌ‏:‏ بل هي مُحْكَمَةٌ؛ قال * ع *‏:‏ الآية تتضمَّن الغُفْرَانَ عُمُوماً، فينبغي أَنْ يقال‏:‏ إنَّ الأُمور العظام، كالقتل والكُفْرِ مُجَاهَرَةً ونحو ذلك قد نَسَخَتْ غفرانَهُ، آيةُ السَّيْفِ والجِزْيَةِ، وما أحكمه الشَّرْعُ لا محالة، وأَنَّ الأُمورَ الحقيرةَ كالجَفَاءِ في القول ونحوِ ذلك تحتملُ أنْ تبقى مُحْكَمَةً، وأنْ يكونَ العفْوُ عنها أقربَ إلى التقوى‏.‏

وقوله ‏{‏أَيَّامَ الله‏}‏ قالت فرقة‏:‏ معناه‏:‏ أيام إنعامه، ونَصْرِهِ، وتنعيمه في الجنة، وغَيْرُ ذلك، وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏أَيَّامَ الله‏}‏‏:‏ أيامُ نِقَمِهِ وعَذَابِهِ، وباقي الآية بَيِّنٌ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَمَا اختلفوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العلم بَغْياً بَيْنَهُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآيةُ، قَدْ تَقَدَّم بيان نظيرها في سورة يُونُسَ وغيرها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏18- 20‏]‏

‏{‏ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏18‏)‏ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ ‏(‏19‏)‏ هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ‏(‏20‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ثُمَّ جعلناك على شَرِيعَةٍ مِّنَ الأمر‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ «الشريعةُ» لُغَةً‏:‏ مَوْرِدُ المياه، وهي في الدين من ذلك؛ لأَنَّ الناس يَرِدُونَ الدينَ ابتغاءَ رحمةِ اللَّهِ والتقرُّبِ منه، و«الأمر» وَاحدُ الأمور، ويحتمل أنْ يكون وَاحِدَ الأَوَامِرِ، و‏{‏الذين لاَ يَعْلَمُونَ‏}‏ هم‏:‏ الكُفَّارُ، وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ الظالمين بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ والله وَلِىُّ المتقين‏}‏ تحقيرٌ للكفرة من حيث خروجُهم عن ولاية اللَّه تعالى‏.‏

* ت *‏:‏ وقد قال صلى الله عليه وسلم يَوْمَ أُحُدٍ‏:‏ ‏"‏ أَجِيبُوهُمْ فَقُولُوا‏:‏ اللَّهُ مَوْلاَنَا، وَلاَ مولى لَكُمْ ‏"‏، وذلك أَنَّ قريشاً قالوا للصحابة‏:‏ لنا العزى، ولاَ عزى لَكُمْ‏.‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏هذا بصائر لِلنَّاسِ‏}‏ يريد‏:‏ القرآن، وهو جمع «بَصِيرَةٍ»، وهو المُعْتَقَدُ الوثيقُ في الشيء، كأَنَّه من إبْصَارِ القَلْبِ؛ قال أبو حَيَّان‏:‏ قُرِئ‏:‏ «هذه» أي‏:‏ هذه الآيات، انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏21- 22‏]‏

‏{‏أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ‏(‏21‏)‏ وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ‏(‏22‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَمْ حَسِبَ الذين اجترحوا السيئات‏}‏ قيل‏:‏ إنَّ الآية نزلَتْ بسبب افتخار كان للكُفَّارِ على المؤمنين، قالوا‏:‏ لَئِنْ كَانَتْ آخِرَةٌ، كما تزعمون، لَنُفَضَّلَنَّ عليكم فيها، كما فُضِّلْنَا في الدُّنْيَا‏.‏

و ‏{‏اجترحوا‏}‏ معناه‏:‏ اكتسبوا، وهذه الآية متناولة بلفظها حالَ العُصَاةِ من حال أهل التقوى، وهي موقف للعارفين يَبْكُونَ عنده، ورُوِيَ عن الرَّبِيعِ بْنِ خَيْثَمٍ، أَنَّهُ كانَ يُرَدِّدُهَا ليلةً حتَّى أَصْبَحَ، وكذلك عن الفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، وكان يقول لنفسه‏:‏ لَيْتَ شِعْرِي‏!‏ مِنْ أيِّ الفَرِيقَيْنِ أَنْتَ‏؟‏ وقال الثعلبيُّ‏:‏ كانت هذه الآية تُسَمَّى مَبْكَاةَ العابدين، قال * ع *‏:‏ وأَمَّا لفظها فيعطى أَنَّه اجتراحُ الكُفْرِ، بدليل معادلته بالإِيمان، ويحتمل أَنْ تكونَ المعادلة بَيْنَ الاِجتراحِ وَعَمَلِ الصالحات، ويكونَ الإيمانُ في الفريقَيْنِ، ولهذا بكى الخائفون رضي اللَّه عنهم‏.‏

* ت *‏:‏ وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده؛ أَن تَمِيماً الدَّارِيَّ رضي اللَّه عنه باتَ ليلةً إلى الصَّبَاحِ، يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ، وَيُرَدِّدُ هذه الآية‏:‏ ‏{‏أَمْ حَسِبَ الذين اجترحوا السيئات‏}‏ الآية، ويبكي رضي اللَّه عنه، انتهى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ‏}‏‏:‏ «ما» مصدريةٌ، والتقدير‏:‏ ساء الحُكْمُ حْكْمُهُم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏23- 24‏]‏

‏{‏أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ‏(‏23‏)‏ وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ‏(‏24‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآيَة‏:‏ تسليةٌ للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أي‏:‏ لا تَهْتَمَّ بأمر الكَفَرَةِ من أجل إعراضهم عن الإيمان، وقوله‏:‏ ‏{‏إلهه هَوَاهُ‏}‏ إشارة إلى الأصنام؛ إذ كانوا يعبدون ما يَهْوَوْنَ من الحجارة، وقال قتادة‏:‏ المعنى‏:‏ لا يَهْوَى شيئاً إلا رَكِبَهُ، لا يخافُ اللَّه؛ فهذا كما يقال‏:‏ الهوى إله مَعْبُودٌ، وهذه الآية وإنْ كانت نزلَتْ في هَوَى الكُفْر؛ فهِي مُتَنَاوِلَةٌ جميعَ هوى النفس الأَمَّارَةِ؛ قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وتمنى عَلَى اللَّهِ ‏"‏، وقال سَهْلٌ التُّسْتَرِيُّ‏:‏ هَوَاكَ دَاؤُكَ؛ فَإنْ خَالَفْتَهُ فَدَوَاؤُك،، وقال وهْبٌ‏:‏ إذا عَرَضَ لك أمران، وشككْتَ في خَيْرِهِمَا، فانظر أَبْعَدَهُمَا مِنْ هَوَاكَ فَأْتِهِ؛ ومن الحكمة في هذا قول القائل‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

إذَا أَنْتَ لَمْ تَعْصِ الهوى قَادَكَ الهوى *** إلى كُلِّ مَا فيهِ عَلَيْكَ مَقَالُ

قال الشيخ ابن أبي جَمْرَةَ‏:‏ قولُهُ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ فَيُقَالُ‏:‏ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئاً فَلِيَتْبَعْهُ ‏"‏ «شيئاً» يعم جَمِيعَ الأشياء، مُدْرَكَةً كانَتْ أو غَيْرَ مُدْرَكَةٍ، فالمُدْرَكُ‏:‏ كالشمس والقمر، وَغَيْرُ المُدْرَكِ، مِثْلُ‏:‏ الملائكة والهوى؛ لقوله عزَّ وجَلَّ‏:‏ ‏{‏أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ‏}‏، وما أشبه ذلك، انتهى،، قال القُشَيْرِيُّ في «رسالته»‏:‏ وحُكِيَ عن أبي عمران الواسطيِّ قال‏:‏ انكسرت بنا السفينةُ، فَبَقِيتُ أنا وامرأتي على لَوْحٍ، وقد وَلَدَتْ في تِلْكَ الحَالِ صَبِيَّةٌ، فصَاحَتْ بي، وقالت‏:‏ يَقْتُلُنِي العَطَشُ، فقلْتُ‏:‏ هو ذا يرى حالَنَا، فرفعتُ رَأْسِي، فإذا رجُلٌ في الهواء جالِسٌ في يده سِلْسِلَةٌ من ذَهَبٍ، وفيها كُوزٌ من ياقُوتٍ أَحْمَرَ، فقال‏:‏ هَاكَ، اشربا، قال‏:‏ فأخذتُ الكُوزَ فَشَرِبْنَا منه، فإذا هو أطيبُ مِنَ المِسْكِ، وأبردُ مِنَ الثَّلْجِ، وأحلى من العَسَلِ، فقلت‏:‏ مَنْ أَنْتَ رَحِمَكَ اللَّه‏؟‏ فقال‏:‏ عبدٌ لمولاكَ، فقلْتُ له‏:‏ بِمَ وَصَلْتَ إلى هذا‏؟‏ فقال‏:‏ تركْتُ هَوَايَ لمَرْضَاتِهِ، فأجلَسَنِي في الهواء، ثُمَّ غَابَ عَنِّي، ولم أره، انتهى‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏على عِلْمٍ‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ المعنى‏:‏ على عِلْمٍ من اللَّه تعالى سَابِقٍ، وقالت فرقة‏:‏ أي‏:‏ على عِلْمٍ من هذا الضَّالِّ بتَرْكِهِ للحَقِّ وإعراضِهِ عنه، فتكُونُ الآية على هذا التأويل من آيات العِنَادِ؛ من نحو قوله‏:‏ ‏{‏وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتها أَنفُسُهُمْ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 14‏]‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غشاوة‏}‏ استعاراتٌ كُلُّهَا‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏مِن بَعْدِ الله‏}‏ فِيهِ حَذْفُ مضافٍ، تقديره‏:‏ مِنْ بعدِ إضلالِ اللَّهِ إيَّاه، واخْتُلِفَ في معنى قولهم‏:‏ ‏{‏نَمُوتُ وَنَحْيَا‏}‏ فقالت فرقة‏:‏ المعنى‏:‏ يَمُوتُ الآباء، ويحيا الأبناء، وقالت فرقة‏:‏ المعنى‏:‏ نَحْيَا ونَمُوتُ، فوقع في اللفظ تقديم وتأخير، وقولهم‏:‏ ‏{‏وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدهر‏}‏ أي‏:‏ طولُ الزمانِ‏.‏